تساؤلات السيادة وكلفة القوة
هل يشتري التخصيب النووي أمناً مستداماً، أم أنه يبيع الاستقرار في سوق العقوبات الدولية؟ هذا السؤال يمثل الجرح المفتوح في قلب الملف النووي الإيراني اليوم؛ إذ لم يعد الحديث في طهران محصوراً في النواحي التقنية أو الحقوق القانونية، بل تجاوزها إلى جوهر المصلحة الوطنية. إن الوقوف على عتبة القدرة النووية يضع الدولة في منطقة رمادية، حيث تتصارع الرؤى بين من يراها درعاً حصيناً يحمي البلاد، ومن يراها مغناطيسياً يجذب الأزمات والضغوط دون الوصول إلى حافة الردع الحاسم.
صدام الرؤى: الردع أم الوهم؟
لقد فجر برنامج "جدال" الإيراني سجالاً فكرياً تجاوز حدود الشاشات الرقمية، ليلامس أعماق النقاش حول وظيفة التخصيب العالي. يتبنى فريق من المحللين رؤية ترى في التخصيب أداة قوة سيادية ترفع كلفة أي عدوان محتمل، وتجعل الخصوم يحسبون ألف حساب قبل الإقدام على أي خطوة تصعيدية. في هذه الرؤية، التخصيب هو الورقة الرابحة التي تُجبر العالم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات بندية واضحة.
وفي المقابل، يبرز صوت الباحث السياسي مصطفى نجفي كمعارض لهذا الخلط المفاهيمي. يرى نجفي أن هناك فجوة هائلة بين "القدرة الكامنة" و"الردع الفعلي". فالردع في العلوم العسكرية يتطلب قدرة نهائية ومعلنة قادرة على إلحاق ضرر حاسم، أما البقاء في منطقة "العتبة" دون امتلاك سلاح فعلي، فهو في نظره طرح قد يضلل صانع القرار ويحمل البلاد أعباءً تفوق طاقة احتمالها.
محطات تاريخية في مسار الضغوط
لا يمكن فهم هذا الانقسام دون العودة إلى الجذور التاريخية التي شكلت الواقع الاقتصادي والسياسي لإيران، حيث ارتبط كل تقدم تقني في هذا الملف بكلفة مقابلة على الساحة الدولية:
- 28 يونيو/حزيران 2005: أصدر الرئيس الأمريكي جورج بوش الأمر التنفيذي 13382، ليكون أول مسمار في نعش التبادل التجاري المرتبط بالأنشطة النووية.
- 23 ديسمبر/كانون الأول 2006: دخل الملف النووي الإيراني نفق العقوبات الأممية بصدور قرار مجلس الأمن رقم 1737، الذي عزل طهران دولياً بشكل غير مسبوق.
هذه التواريخ ليست مجرد أرقام في سجلات الزمن، بل هي نقاط تحول حولت التخصيب من إنجاز تقني إلى عبء سياسي واقتصادي يطرح تساؤلاً جوهرياً: ماذا كسبت إيران وماذا خسرت في هذا المسار الطويل؟
العتبة النووية: حماية أم استنزاف؟
تُعرف العتبة النووية بأنها امتلاك البنية التحتية التي تسمح بصناعة السلاح في وقت قياسي دون إعلانه. بالنسبة للمؤيدين، هذا الوضع يخلق حالة من "الغموض الاستراتيجي" الذي يمنح الدولة وزناً إقليمياً كبيراً. لكن المعارضين يرون أن هذه العتبة تحولت إلى "أصل للأزمة" بدلاً من أن تكون "أصلاً للأمن القومي".
إن الانقسام اليوم يتجاوز نسب التخصيب ليصل إلى تعريف الهوية السياسية للدولة؛ فهل تقاس القوة بما نملك من أجهزة طرد مركزي، أم بما نحققه من استقرار اقتصادي وتحالفات دولية تمنع الحرب قبل وقوعها؟
حكمة الختام
إن القوة التي لا توفر لمصاحبها الأمان الكامل، والسيادة التي تُثقل كاهل الشعب بالعقوبات، تظل محل مراجعة دائمة في ميزان العقل السياسي. إن العبرة في الملف النووي الإيراني ليست في الوصول إلى العتبة، بل في القدرة على تحويل هذه المكانة إلى واقع يعزز حياة الإنسان ويحفظ كيان الدولة من عواصف العزلة. فالحكمة تقتضي أن تكون أدوات القوة جسوراً للبناء، لا جدرانًا تحجب عن الدولة آفاق الازدهار.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً