أشرعة الحرية في مضايق السياسة
هل تستقيم حياة الأمم إذا ما أُغلقت في وجوهها مسالك البحار، وتوارت خلف غيوم النزاع شرايين التجارة العالمية؟ هذا التساؤل كان الحاضر الأبرز في وجدان الرئيس رجب طيب أردوغان وهو يفتتح منتدى أنطاليا الدبلوماسي 2026، حيث أطلق صرخة دبلوماسية مدوية ترفض تكبيل حق دول الخليج في الوصول إلى البحار المفتوحة. إنها رؤية ترى في حرية الملاحة حقاً أصيلاً لا يقبل المقايضة، خاصة في ظل التجاذبات التي تعصف بمضيق هرمز.
تأتي هذه المواقف التركية في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، ويمكن تلخيص المشهد الجيوسياسي الراهن في النقاط التالية:
- أزمة المضيق: حصار بحري أمريكي على الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز إثر تعثر الوساطة الباكستانية.
- الهدنة الهشة: اقتراب انقضاء أسبوعي الهدنة التي أُعلنت بين واشنطن وطهران في 8 أبريل الجاري.
- الاستحقاق القانوني: دعوة تركية صريحة للإبقاء على مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة التجارة وفق القانون الدولي.
حذر السلطان من كيد المتربصين
بمنطق الحكيم الذي يقرأ ما بين السطور، حذر الرئيس رجب طيب أردوغان من محاولات تقويض السلام، موجهاً رسالة مباشرة إلى نظيره الأمريكي دونالد ترمب. إن التوجس التركي ينبع من خشية وقوع "أعمال تخريبية" تهدف إلى إفشال مسار التهدئة، وهو ما تجلى في ردود الفعل الإسرائيلية المتشنجة؛ حيث اختار بنيامين نتنياهو لغة الهجوم متوعداً بالاستمرار في نهجه التصادمي.
وفي خضم هذه العواصف، لا تنسى أنقرة دورها كجسر بين الشرق والغرب، وهو ما يتضح من خلال:
- طريق التنمية: السعي لربط ميناء الفاو الكبير في العراق بتركيا عبر شبكة سكك حديدية عملاقة.
- الوساطة الأوراسية: الاستعداد التام لاستضافة قمة مباشرة بين قادة روسيا وأوكرانيا لإنهاء النزاع الدامي.
- الحلم الأوروبي: التأكيد على هدف الانضمام الكامل للاتحاد الأوروبي، رغم العقبات القائمة منذ عام 2005.
غزة.. جرح الضمير وعجز المنظومة
انتقل الرئيس رجب طيب أردوغان من شؤون الجغرافيا السياسية إلى قضايا الضمير الإنساني، واصفاً ما يحدث في قطاع غزة منذ عام 2023 بأنه "إبادة جماعية" مكتملة الأركان. وببلاغة تعري الواقع، انتقد الآليات الدولية التي تقف عاجزة أمام انتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي، معتبراً أن المنظومة العالمية تعاني من عجز بنيوي يجعلها تغض الطرف عن أفظع الجرائم.
وفي الملف السوري، شدد على أن استقرار دمشق هو حجر الزاوية لأمن المنطقة بأسرها، مؤكداً أن السياسة الخارجية التركية ستظل وفية لمبدأ تعزيز الاستقرار عبر الدبلوماسية وتطوير التحالفات القائمة.
خاتمة الرؤية
إن السياسة في منطق الرئيس أردوغان ليست فن الممكن فحسب، بل هي فن الحفاظ على كرامة الشعوب وحقها في النماء. فبينما تتصارع القوى الكبرى على المضايق والممرات، تظل تركيا تنادي بكلمة سواء، ترتكز على العدل المفقود في موازين القوى الدولية، وتؤمن بأن السلام الدائم لا يُبنى على الحصار، بل على تدفق الأرزاق وحرية البحار.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً