هل يمكن للتكنولوجيا أن تحسم صراعاً تضرب جذوره في أعماق العقائد السياسية والجغرافية؟ يبرز البرنامج النووي الإيراني اليوم كمركز ثقل في ميزان القوى بالشرق الأوسط، حيث تحولت شوارع طهران ومنشآتها الحصينة إلى ساحة لحرب استخباراتية وسيبرانية لم يسبق لها مثيل، بدأت بالاغتيالات الصامتة وانتهت بالمواجهات المفتوحة التي أعادت رسم خارطة المنطقة.
عقيدة الاستئصال ومنطق الدومينو
تتحرك إسرائيل في هذا الصراع مدفوعة بما تسميه "التقليد القديم"، وهو استراتيجية تقوم على وأد التهديدات الوجودية في مهدها. تخشى تل أبيب من أثر "الدومينو النووي"؛ إذ ترى أن امتلاك طهران للقنبلة سيفتح شهية قوى إقليمية أخرى، مما ينهي عهد احتكار القوة في المنطقة.
وقد جسدت إسرائيل هذه العقيدة في محطات تاريخية فارقة:
- عام 1981: تدمير مفاعل "تموز" العراقي.
- عام 2007: قصف مفاعل "الكبر" السوري في دير الزور بعد اختراق استخباراتي لهاتف مسؤول سوري في فيينا.
- حروب الظل: سلسلة من اغتيالات علماء الذرة الإيرانيين بأساليب تراوحت بين العبوات اللاصقة والذكاء الاصطناعي.
من فيروس ستاكسنت إلى أرشيف طهران
انتقل الصراع من التصفية الجسدية إلى الحرب الرقمية والاختراقات المعلوماتية الكبرى. كان فيروس "ستاكسنت" أول جندي سيبراني يدخل منشأة "نطنز"، ليعطل أجهزة الطرد المركزي في صمت مطبق دام عاماً ونصف العام.
لكن المنعطف الأبرز كان في يناير 2018، حين نفذ الموساد عملية "كوماندوز" في قلب طهران، استولى خلالها على الأرشيف النووي الإيراني. هذا الكنز المعلوماتي تضمن:
- 55 ألف صفحة من الوثائق والمخططات.
- 183 قرصاً مدمجاً تحتوي على تفاصيل البرنامج.
كانت هذه الوثائق هي الحجة التي اتكأ عليها بنيامين نتنياهو لإقناع الإدارة الأمريكية بالانسحاب من الاتفاق النووي، لتبدأ مرحلة "الضغط الأقصى".
ذروة التصعيد: مطرقة منتصف الليل
تطورت المواجهة من المناوشات الاستخباراتية إلى حرب شاملة بدأت في يونيو 2025، واستمرت 12 يوماً من القصف المكثف. ساهم انهيار النظام السوري في ديسمبر 2024 في تجريد إيران من خط دفاعها الأمامي، مما مهد الطريق لعملية "مطرقة منتصف الليل" الأمريكية.
شهدت هذه العملية استخداماً مكثفاً للقوة العسكرية:
- قاذفات بي-2 الشبحية: استهدفت مفاعل "فوردو" المحصن على عمق 60 متراً تحت الصخر.
- 125 طائرة عسكرية: شاركت في أضخم ضربة جوية استهدفت البنية التحتية العسكرية.
- فبراير 2026: غارات جوية استهدفت مراكز القيادة العليا في طهران، مما أدى لتبدلات جذرية في هرم السلطة.
آفاق الصراع المفتوح
رغم الجراح الغائرة في جسد البرنامج النووي، تشير التقارير الاستخباراتية إلى أن المعرفة لا يمكن محوها بالقصف؛ إذ لا تزال طهران تحتفظ بالخبرات العلمية واليورانيوم الكافي لصنع ترسانة نووية. واليوم، تتجه الأنفاق الإيرانية إلى أعماق سحيقة تصل إلى 800 متر تحت الجبال، في محاولة للتحصن ضد أي سلاح تقليدي معروف.
إن الصراع بين إيران وإسرائيل ليس مجرد نزاع حدودي أو خلاف سياسي عابر، بل هو صراع على هوية المنطقة ومستقبل التوازن النووي فيها. وبينما تضع الحرب أوزارها في جولة، تظل بذور الجولة القادمة تُزرع في مختبرات التخصيب ودهاليز الاستخبارات، ليبقى الشرق الأوسط واقفاً على فوهة بركان لا يهدأ.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً