هل يتوقف القلب لأن أجله قد حان، أم لأن العالم أوصد دونه أبواب النجاة؟
في قطاع غزة، لم يعد الموت زائرًا مفاجئًا، بل صار يسكن في تفاصيل الأجهزة الطبية المعطلة، وفي زجاجات الدواء الفارغة. هنا، يواجه مرضى القلب في غزة ما يمكن تسميته بـ "الموت الصامت"؛ حيث تذبل القلوب وتتوقف نبضاتها لا لعلةٍ بيولوجية استعصت على الطب، بل لغيابِ دعامةٍ صغيرة أو بطاريةٍ تنظم إيقاع الحياة. إنها تراجيديا إنسانية تُكتب فصولها بمداد من الألم في أروقة المستشفيات المتهالكة.
لغة الأرقام: حين يتحدث الموت بوضوح
إن الأرقام الواردة من وزارة الصحة في غزة ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي صرخات مكتومة في وجه الضمير العالمي. تعكس هذه البيانات حجم الكارثة التي حلت بالمنظومة الصحية:
- 56% من إجمالي الوفيات في قطاع غزة تعود أسبابها إلى أمراض القلب.
- 51% من الأدوية الأساسية باتت مفقودة تماماً من الصيدليات المركزية.
- صفر عمليات قلب مفتوح أُجريت بجهود محلية منذ بداية الحرب، باستثناء تدخلات محدودة لوفود أجنبية.
- 6600 عملية قسطرة كانت تُجرى سنوياً قبل الأزمة، وهو رقم انهار الآن ليصل إلى مستويات دنيا لا تلبي الحد الأدنى من الاحتياج.
حكايات من غرف العناية: الحياة المعلقة بسلك
تتجسد المأساة في قصة المسنة سلمى أبو نادي، الراقدة في مستشفى شهداء الأقصى. قلبها الآن لا ينبض بقرارٍ منه، بل بفضل أسلاك مؤقتة وأجهزة تنتظر بطارية دائمة لتنظيم ضربات القلب (Pacemaker). هذا الجهاز الصغير، الذي يُعد من البديهيات الطبية في أي مشفى متواضع، أصبح في غزة أمنيةً بعيدة المنال.
وفي مستشفى ناصر الطبي، يروي المريض مصطفى ماضي كيف توقف قلبه مرتين وهو ينتظر فرصة للسفر. إن حالة مصطفى تلخص وضع آلاف المرضى الذين يمنعهم الحصار من الوصول إلى مراكز تخصصية خارج القطاع، مما يجعل أجسادهم ساحة معركة بين إرادة الحياة وقيود السفر.
تآكل القلاع الطبية: استنزاف الكوادر والمعدات
يوضح الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة، أن استهداف البنية التحتية الصحية أدى إلى تفكيك ممنهج لخبرات تراكمت عبر عقود. إن فقدان الكوادر الطبية، سواء بالارتقاء أو النزوح القسري، خلف فراغاً مرعباً؛ فاليوم لا يوجد سوى طبيب واحد فقط يواصل إجراء عمليات القسطرة القلبية في غزة بأكملها.
واقع المراكز المتخصصة:
- مستشفى القدس: يصارع ليكون المركز الوحيد الذي يجري عمليات القسطرة حالياً تحت ضغط هائل.
- توقف المراكز الخمسة: تعطلت خمسة مراكز متخصصة في أمراض القلب بشكل كامل نتيجة الحرب ونقص المستلزمات.
- غياب الدعامات: القسطرة القلبية (Cardiac Catheterization) -وهي عملية إدخال أنبوب دقيق للشرايين- أصبحت مستحيلة في معظم الحالات لغياب "الدعامات" التي تبقي الشرايين مفتوحة.
نداء النبض الأخير
إن استمرار هذا الوضع يعني تحويل غزة إلى مقبرة كبرى لمرضى كان يمكن إنقاذهم بلمسة طبية بسيطة. إن الحاجة ماسة الآن، وقبل فوات الأوان، لإدخال المستلزمات الجراحية، وخاصة أدوات جراحة القلب المفتوح والدعامات، وإعادة الاعتبار للكوادر الطبية التي تمثل الركيزة الأساسية لأي نظام صحي.
ختاماً، إن قلب الإنسان في غزة لا يطلب المستحيل؛ هو فقط يطلب حقّه في نبضةٍ لا يقطعها حصار، ودواءٍ لا يحجبه جدار. فهل يستجيب العالم قبل أن يسكن النبض تماماً ويتحول "الموت الصامت" إلى حقيقةٍ أبدية؟
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً