مقدمة: في لجة الهشاشة الإقليمية
هل يمكن لدولة أن تقف على حافة البركان دون أن تذوب أطرافها؟ هذا هو السؤال الذي يؤرق صناع القرار في لندن اليوم. ففي لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حسابات الردع العسكري مع رهانات التهدئة الدبلوماسية، تجد السياسة الخارجية البريطانية نفسها في اختبار عسير؛ إذ تسعى للموازنة بين حماية مصالحها الاستراتيجية في أمن الطاقة وحرية الملاحة، وبين تجنب الانجرار إلى أتون حرب يصفها الساسة البريطانيون بأنها "غير شرعية".
عقيدة "ليست حربنا": بين المبدأ والضرورة
أعلن رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، بوضوح لا لبس فيه داخل أروقة البرلمان: "لن نسمح لأنفسنا بأن نُجرّ إلى هذه الحرب". هذا التصريح يمثل حجر الزاوية في العقيدة السياسية الحالية، حيث تحاول لندن الفصل بين دعم مسارات السلام والمشاركة في العمليات العسكرية المباشرة.
ويصف النائب أفضل خان، من حزب العمال الحاكم، أي مواجهة محتملة مع إيران بأنها كارثة عابرة للقارات، مؤكداً أن تداعياتها ستمس "كل إنسان على هذا الكوكب". ومن هنا، تبرز باكستان في الرؤية البريطانية كـ "اللاعب الوحيد في المدينة"، القادر على مد جسور الوساطة بين واشنطن وطهران.
مضيق هرمز: شريان العالم تحت مجهر "تحالف الأربعين"
تمثل حرية الملاحة في مضيق هرمز قضية وجودية للاقتصاد العالمي. ولتأمين هذا الشريان الحساس، تنخرط لندن فيما يعرف بـ "تحالف الـ 40"، وهو إطار دولي يهدف إلى حماية السفن التجارية. ويوضح أليسيو باتالانو، أستاذ الاستراتيجية البحرية، أن هذا التحرك يقوم على ثلاث طبقات تقنية مترابطة:
- الطبقة الاستراتيجية: بناء تفاهمات سياسية عليا تضمن الاستقرار بعيد المدى.
- الطبقة التكتيكية: تنسيق حركة القطع البحرية لضمان استجابة سريعة للتهديدات.
- الطبقة العملياتية: مرافقة السفن وحماية الممرات الدولية وفقاً لقواعد القانون البحري.
هذه الطبقات تشبه في تماسكها بنية السد العظيم؛ فإذا اختلت طبقة واحدة، غمر الطوفان الجميع.
الاقتصاد العالمي: مخاطر الركود وأمن الطاقة
لا تتعامل لندن مع الأزمة كملف سياسي فحسب، بل كمعادلة اقتصادية صفرية. فالانزلاق نحو المواجهة يعني تهديداً مباشراً لتدفقات الطاقة، مما قد يؤدي إلى:
- ركود عالمي: نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين البحري.
- اضطراب الأسواق: بسبب حساسية الممرات المائية الدولية التي تعد أوردة التجارة العالمية.
- تآكل المرونة الاقتصادية: للدول الحليفة التي تعتمد على استقرار المنطقة.
الدبلوماسية الملكية: بروتوكول فوق صفيح ساخن
وسط هذا الضجيج السياسي، تأتي زيارة الملك تشارلز والملكة كاميلا إلى واشنطن في 27 أبريل/نيسان الجاري كاختبار للدبلوماسية الناعمة. وبينما تحتفل الزيارة بمرور 250 عاماً على استقلال الولايات المتحدة، تظل الملفات السياسية العالقة -خصوصاً الموقف من إيران- ظلاً ثقيلاً يرافق المواكب الملكية، في محاولة للحفاظ على "العلاقة الخاصة" مع واشنطن دون التورط في قراراتها المتهورة.
أصوات من الداخل: حين تصطدم السياسة بالضمير
لم يخلُ المشهد البريطاني من نقد داخلي حاد؛ إذ تتهم منظمات حقوقية مثل المركز الدولي للعدالة للفلسطينيين (ICJP) الحكومة بـ "سوء فهم طبيعة الصراع". ويرى النائب أيوب خان أن الالتزام بالقانون الدولي يجب أن يسمو فوق كل التحالفات، محذراً من أن تطبيق المبادئ الدولية بشكل انتقائي يهدد بتقويض النظام العالمي بأسره. كما اعتبر النائب إقبال محمد أن تصوير الأزمة كـ "اختطاف إيراني" للشحن العالمي هو رواية تختزل السياق التاريخي والعسكري المعقد للصراع.
خاتمة: حكمة القانون في جنون الحرب
إن السياسة الخارجية البريطانية اليوم تقف في منطقة "السهل الممتنع"؛ فهي تدرك أن القوة بلا قانون هي غطرسة، وأن القانون بلا قوة هو عجز. وبينما تتلاطم أمواج الشرق الأوسط، تظل لندن متمسكة بخيار التهدئة، مدركةً أن شرارة واحدة في مضيق هرمز قد تحرق غابات الاقتصاد العالمي في القارات الخمس. إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في كسب الحرب، بل في امتلاك الشجاعة الكافية لمنع وقوعها.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً