مقدمة: في البدء كانت الثقافة
إن المتأمل في مسيرة الأمم يدرك أن النهضة ليست مجرد تكدّس للأشياء، بل هي روح تسري في جسد المجتمع فتبعث فيه الحياة. ومن أشد العوائق التي كبلت انطلاقتنا الحضارية ما سماه المفكر الفذ مالك بن نبي رحمه الله بـ "الحرفية في الثقافة"؛ ذلك الداء الذي يحيل المعنى جثة هامدة، ويجعل من الثقافة طقوساً جوفاء لا نبض فيها. لقد سعى بن نبي في سفره النفيس (مشكلة الثقافة) إلى صياغة نظرية في التغيير الثقافي، تهدف إلى انتشال المسلم من وحل التخلف إلى فضاء التحضر، محذراً من أن الركون إلى الأشكال دون المضامين هو عين الهلاك.
الداء العضال: الجهل المركب وغواية الألقاب
لعل من أوجع ما منيت به نخبنا هو ذلك "الجهل المركب" الذي يتسربل بسربال العلم والفضل. إنه مرض مزمن غدا عدوى تتناقلها الأجيال، حيث يُقدّم المرء بصفته حاملاً لأرفع الشهادات الأكاديمية، أو حافظاً لكتاب الله عز وجل، أو خبيراً في فنه، وهو في حقيقته محجوب بلقبه عن إدراك الحقائق.
إن ثقافة التخلف تُغرم بالأشكال؛ فتجعل من الشهادة المعلقة على الجدران مقياساً وحيداً للمكانة العلمية، مما يبني حاجزاً نفسياً سميكاً يمنع صاحبها من التعلّم المستمر، ويحرمه من فضيلة مراجعة النفس وتحديث الأفكار بما يقتضيه تطور المعارف وتبدل الأحوال والأزمنة.
تشريح الأزمة: من "رجل ما بعد الموحدين" إلى "رجل القلة"
يعزو مالك بن نبي جذور هذه الأزمة إلى تراكمات تاريخية أدت إلى دخول عناصر "قاتلة" على نسيجنا الثقافي. لقد غفلنا عن تصفية عاداتنا من شوائب الانحطاط، فصار رصيدنا الثقافي ينتج "موظفين" يقتاتون بالشهادات، لا "مثقفين" يحملون رسالة النهضة وقيمها.
وقد شخص بن نبي هذا النموذج بـ "رجل ما بعد الموحدين"، وهو الإنسان الذي يتسم بـ:
- الرؤية الحدية للأمور: العجز عن إدراك التعقيدات والتركيب.
- القعود عن الإنجاز: الامتناع عن العمل التاريخي والركون إلى الدعة.
- اختلال ميزان الحقوق والواجبات: المطالبة بالحقوق مع تضييع الواجبات.
هذا هو "رجل القلة" الذي بتر فكرة النهضة وحصرها في مطامعه الشخصية، فلم يرَ في الثقافة إلا مظهراً تافهاً يتوسل به للوجاهة أو لرزق عاجل، متخلياً عن دوره الرسالي في تفكيك خيوط الأزمة وبناء لبنات الحضارة.
محنة التعالم والذهول عن المقاصد
إن هذا الغرام بالأشكال – كما وصفه الحكيم الترمذي – يؤدي حتماً إلى الذهول عن المقاصد الكبرى. ومن رحم "الحرفية في الثقافة" يولد داء "التعالم"، وهو أشد فتكاً من الأمية ذاتها؛ لأنه جهل يرفض التواضع للحق.
يقول مالك بن نبي في توصيف هذا المشهد المؤلم: "اليوم أصبحنا نرى مرضاً جديداً مستعصياً هو (التعالُم)، وإن شئت فقل: الحرفيّة في التعلّم، والصعوبة كل الصعوبة في مداواته. وهكذا أتيح لجيلنا أن يشهد خلال النصف الأخير من هذا القرن، ظهور نموذجين من الأفراد في مجتمعنا: حامل المرقّعات ذي الأطمار البالية، وحامل اللافتات العلميّة".
وهنا ينتقد بن نبي ظاهرتين متقابلتين في السوء:
- الدروشة باسم العلم الشرعي: التي تفرغ الدين من فاعليته.
- اللافتات العلمية الجوفاء: التي يحملها متعالون على مجتمعهم، فاقدون لروح العلم وتأثيره في الواقع.
المثقف في ميزان المسؤولية الأخلاقية
لقد كشفت التحولات الكبرى في واقعنا المعاصر أن كثيراً من حملة الشهادات لم يرتفعوا بمواقفهم عن مستوى العامة، بل ربما فاقهم العامي بصدقه وإخلاصه. لقد صدق فيهم وصف النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "كإبل المائة لا تجد فيها راحلة".
إننا نرى اليوم من يبيع مبادئه بعرض من الدنيا زائل، أو ينقلب فيروساً يطعن في قيم أمته وميراثها الديني والثقافي، طلباً لشهرة زائفة أو تزكية من دوائر قرار دولية، دون أدنى مراعاة لمقتضيات النقد العلمي البناء، فصار معول هدم يمهد الطريق للغزاة الفكريين.
الخاتمة: نحو ثقافة الفعالية
إن الحرفية في الثقافة تجعل العلم مسخاً وعملة زائفة لا قيمة لها في سوق الحضارة. إنها وثنية جديدة تعبد الكلمة وتنسى الروح، وتنشغل بالشكل وتغفل عن المضمون. إن مخرجنا الوحيد يكمن في استعادة ثقافة الفعالية والسننية، التي تمنح الكلمة كثافة الواقع وقوة الإنجاز.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يرزقنا علماً نافعاً يتبعه عمل صالح، وأن يخرجنا من ضيق الحرفية إلى سعة المقاصد، ومن ذل التخلف إلى عز التحضر، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المصدر: إسلام أون لاين



اترك تعليقاً