عهودٌ في مهبِّ الرصاص: لماذا يظل تنفيذ اتفاق غزة ضرورةً إنسانية وقانونية؟
هل يولد السلام من رحم الوعود المنقوضة، أم أن العهود في منطق الاحتلال حبرٌ يذروه رصاص القنص؟ يظل اتفاق غزة اليوم حجر الزاوية الذي تتكسر عليه أمواج المعاناة، في وقتٍ بات فيه الالتزام بالمواثيق ضرورةً أخلاقية قبل أن يكون استحقاقاً سياسياً. إن المطالبة بإلزام الاحتلال بتنفيذ بنود المرحلة الأولى ليست ترفاً دبلوماسياً، بل هي صرخة حق في وجه تزييف الحقائق.
المرحلة الأولى: جسرٌ لم يُعبر وعهودٌ لم تكتمل
في أروقة القاهرة الصامتة، حيث يُصنع التاريخ بعيداً عن صخب المدافع، أكدت حركة حماس خلال لقاءاتها مع الوسطاء أن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بتطبيق معظم بنود المرحلة الأولى من اتفاق غزة. هذه المرحلة، التي كان يُفترض أن تكون بمثابة "اللبنة الأولى" في بناء صرح الاستقرار، تحولت بفعل التنصل الإسرائيلي إلى سرابٍ يطارد الظمأى للأمان.
إن التمسك باستكمال بنود اتفاق شرم الشيخ والمبادرات الدولية هو المسار الوحيد لإتاحة المجال لدخول حوار جدي بشأن قضايا المرحلة الثانية. وتتجلى الرؤية الفلسطينية هنا في التعامل الإيجابي مع الوسطاء، سعياً لوضع حدٍّ نهائي للمعاناة الإنسانية، وضمان الانسحاب الكامل لقوات الاحتلال، وبدء إعمار ما دمرته آلة الحرب.
لغة الأرقام: حين يتحدث الرصاص بدلاً من الدبلوماسية
لا يمكن للكلمات المنمقة أن تحجب ضوء الحقيقة الساطع؛ فالإحصائيات الرسمية ترسم لوحة قاتمة لواقع الخروقات اليومية التي يتعرض لها اتفاق غزة. إن هذه الخروقات تشبه "الصدوع المتتالية" في سدٍّ يُفترض أن يحمي الأبرياء من طوفان الموت.
وفقاً لمعطيات المكتب الإعلامي الحكومي ووزارة الصحة في غزة، سجلت الوقائع ما يلي:
- 2400 خرقٍ: ارتكبها الاحتلال منذ سريان الاتفاق في العاشر من أكتوبر، شملت القتل والاعتقال والحصار.
- 775 شهيداً: ارتقوا نتيجة الغدر اليومي والقصف المستمر رغم وجود هدنة نظرية.
- 2171 مصاباً: يحملون في أجسادهم ندوب العهود المنقوضة.
- التنصل الإغاثي: منع إدخال الكميات المتفق عليها من المساعدات الغذائية والطبية ومواد الإيواء، مما يحول الحصار إلى سلاح قتل صامت.
المسار السياسي: بين مبادرة ترمب وقرارات مجلس الأمن
يبرز قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، الصادر في نوفمبر 2025، كإطار قانوني دولي ينظم مسارات السلام. هذا القرار هو "البوصلة الملزمة" التي يجب أن تهتدي بها الأطراف للوصول إلى بر الأمان. وبناءً عليه، أُعلن عن بدء المرحلة الثانية ضمن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لكن هذه الخطوة تظل معلقة في الهواء ما لم تُثبّت دعائم المرحلة الأولى.
إن المرحلة الأولى، التي قامت على مبدأ تبادل الأسرى ووقف العمليات العسكرية، تآكلت بفعل الممارسات الميدانية للاحتلال، مما يجعل الانتقال للمرحلة الثانية دون ضمانات حقيقية نوعاً من القفز في المجهول.
الخاتمة: الحق لا يضيع ما وراءه مطالب
إن جوهر الصراع اليوم ليس على نصوص تُكتب، بل على أرواحٍ تُزهق ووعودٍ تُنحر على مذبح التعنت. يبقى اتفاق غزة اختباراً حقيقياً لضمير العالم وقدرة الوسطاء على لجم التجاوزات. وكما يقول الأدباء: "إن التاريخ لا يرحم من يكتبون المواثيق بمداد الزيف"، فإما التزامٌ كامل يعيد للإنسان كرامته، وإما استمرارٌ في تيه الخروقات الذي لن يورث إلا مزيداً من الرماد. إن إرساء قواعد العدل يبدأ بكلمة صدق، وينتهي بفعلٍ يوقف نزيف الأبرياء.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً