مقدمة: في رحاب الاصطفاء المحمدي
إن المتأمل في ملكوت النبوة، والمستجلي لأنوار الرسالة الخاتمة، يدرك يقيناً أن الله سبحانه وتعالى قد خصّ نبيه ومصطفاه بمراتب من القرب لا تدركها الظنون، ومقامات من التشريف تقصر عنها العبارة. وإن من أسمى تلك المراتب ما تجلى في ثمار الخلة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، تلك المنزلة التي جعلته خليل الرحمن، وحبيب الديان. إنها خلةٌ أثمرت فضائل لا يحيط بها حصر، ومناقب تشرق بها بطون السير، نورد في هذا المقام طرفاً من سناها، مستضيئين بمشكاة الوحيين وأقوال أئمة الهدى.
بيعة الرضوان: ميثاق الأرض وشهادة السماء
تتجلى ثمار الخلة في تلك الرعاية الإلهية التي أحاطت بالنبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الظروف، ومنها ما كان في صلح الرضوان. يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله موضحاً سياق تلك البيعة المباركة:
(والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عثمان؛ ليعلم قريشا أنه إنما جاء معتمرا لا محاربا، ففي غيبة عثمان شاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال، وبايعهم النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ تحت الشجرة على ألا يفروا، وذلك في غيبة عثمان، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قتل، فكان ذلك سبب البيعة).
وقد خلّد الحق سبحانه وتعالى ذكر هذه البيعة في محكم التنزيل، مؤكداً أن يد العناية الإلهية كانت حاضرة، فقال عز وجل: ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما﴾ [الفتح: 10].
الحفظ الإلهي والكمال البشري
من عظيم ثمار الخلة أن الله سبحانه وتعالى عصم نبيه صلى الله عليه وسلم حتى من وسوسة القرين، فجعل قرينه منقاداً للحق. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة: قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم فلا يأمرني إلا بخير”؛ رواه مسلم.
كما ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً لختم النبوة وكمال البناء النبوي به، فعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بني دارا، فأتمها وأكملها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها، ويتعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللبنة! قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فأنا موضع اللبنة، جئت فختمت الأنبياء”؛ رواه مسلم.
سعة العلم والوحي المزدوج
لقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وكُشف له من الغيوب ما لم يكشف لغيره، تصديقاً لخلته عند ربه. فعن المقداد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه)؛ رواه أبو داود والترمذي، والمراد بـ(ومثله معه) السنة النبوية المطهرة.
وفي مقامٍ جليل، استعرض النبي صلى الله عليه وسلم تاريخ الوجود ومصير الخلائق، فعن عمر رضي الله عنه قال: (قام فينا النبي صلى الله عليه وسلم مقاما، فأخبرنا عن بدء الخلق، حتى دخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، حفظ ذلك من حفظه، ونسيه من نسيه)؛ رواه البخاري.
ويؤكد هذا المعنى ما رواه أبو زيد عمرو بن أخطب رضي الله عنه حيث قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر، وصعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما كان وبما هو كائن، فأعلمنا أحفظنا).
إمامة الأنبياء وعالمية الرسالة
شهدت ليلة الإسراء والمعراج على علو كعبه صلى الله عليه وسلم وإمامته للأنبياء جميعاً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى ابن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبها عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم – يعني: نفسه – فحانت الصلاة فأممتهم)؛ رواه مسلم.
وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم هذه المزايا في قوله: “فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون”؛ رواه مسلم.
وجوب الاتباع وكمال الشريعة
إن من مقتضيات هذه الخلة أن يكون سبيله صلى الله عليه وسلم هو السبيل الوحيد للنجاة، فلا يسع أحداً كائناً من كان أن يتخلف عن ركبه.
- قال صلى الله عليه وسلم: “والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به – إلا كان من أصحاب النار”؛ رواه مسلم.
- وحين رأى عمر رضي الله عنه يقرأ في صحف من أهل الكتاب، غضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى، لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي)؛ إسناده حسن.
الرأفة بالمؤمنين والوعد الإلهي
تختم ثمار هذه الخلة بأعظم مشهد من مشاهد الرحمة النبوية والرضا الإلهي، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني﴾ [إبراهيم: 36]، وقال عيسى عليه السلام: ﴿إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ [المائدة: 118]، فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي، وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام، فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوءك)؛ رواه مسلم.
خاتمة: في فيء الخلة المحمدية
إن ثمار الخلة الخاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد مناقب تُروى، بل هي حصن الأمة وملاذها، وعنوان كمال الشريعة وتمام النعمة. فما من فضيلة نالها المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا ولأمته منها نصيب من الرحمة والهدى. فاللهم اجزِ عنا نبينا خير ما جزيت نبياً عن أمته، وأوردنا حوضه، واسقنا من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبداً، واحشرنا في زمرته تحت لواء خلتك ورضاك.



اترك تعليقاً