سراب القوة في ميزان “ترامب وإيران”: حين تصبح الخوارزميات أوراقاً رابحة

سراب القوة في ميزان “ترامب وإيران”: حين تصبح الخوارزميات أوراقاً رابحة

سراب القوة في ميزان "ترامب وإيران": حين تصبح الخوارزميات أوراقاً رابحة

هل يدرك سادة البيت الأبيض أن رقعة الشطرنج العالمية قد استُبدلت بشاشات رقمية لا تعترف بضخامة الأساطيل بقدر ما تعترف بدقة الخوارزمية؟ يطرح الكاتب الأمريكي الشهير "توماس فريدمان" تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة الصراع بين ترامب وإيران، معتبراً أن الاستناد إلى مفاهيم القوة التقليدية في عصر "السيولة التقنية" هو رهان على سراب يحسبه الظمآن ماءً.

مقامرة البوكر في دهاليز السياسة الدولية

يرى فريدمان أن الرئيس دونالد ترمب يميل إلى قراءة المشهد السياسي من منظار لعبة البوكر؛ حيث يُقاس النفوذ بما يمتلكه اللاعب من "أوراق" في يده. تجلى هذا المنطق في خطابه للرئيس الأوكراني وللقادة الإيرانيين على حد سواء، حين أخبرهم صراحة بأنهم "لا يملكون أوراقاً".

بيد أن الحقيقة التي يغفل عنها هذا المنطق هي أن الأوراق التي يراهن عليها ترمب —مثل الحصار النفطي الخانق— تقابلها أوراق إيرانية من نوع آخر، تتمثل في القدرة على الصمود الاقتصادي والتحكم في شريان الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز. إنها مواجهة إرادات، حيث يسعى كل طرف إلى كسر عظم الآخر في ساحة دولية لم تعد تعترف بقواعد اللعبة القديمة.

الحروب غير المتكافئة: داوود الرقمي في مواجهة جالوت

يحلل فريدمان هذا الخلل العميق في الفهم الاستراتيجي عبر تسليط الضوء على "الحروب غير المتكافئة". هذه الحروب تمثل ثورة في مفاهيم القوة، حيث يمكن لجهات محدودة الموارد أن تُربك حسابات دول عظمى.

تتجلى هذه الظاهرة في نماذج واقعية أعادت صياغة ميزان القوى:

  • المسيرات منخفضة التكلفة: استخدام أوكرانيا لطائرات بدون طيار زهيدة الثمن لضرب أهداف استراتيجية في العمق الروسي.
  • سلاح "شاهد" الإيراني: توظيف طائرات مسيرة لتهديد البنى التحتية الرقمية والحيوية في المنطقة.
  • التكلفة مقابل الفاعلية: اعتماد جماعات مسلحة على صواريخ بدائية التصنيع تضطر الخصوم لاستخدام أنظمة دفاعية باهظة الثمن (مثل القبة الحديدية أو الباتريوت)، مما يحول الحرب إلى استنزاف مالي قبل أن يكون عسكرياً.

من عصر المعلومات إلى عصر الذكاء: ثورة الوكلاء المستقلين

ينقلنا فريدمان إلى آفاق أكثر خطورة بالتعاون مع خبراء تقنيين مثل "كريغ موندي"، مؤكداً أن العالم يغادر الآن "عصر المعلومات" ليدخل رحاب "عصر الذكاء". في هذا العصر الجديد، تتبدل الأدوات الرقمية من كونها وسائل مساعدة للبشر إلى "وكلاء ذكاء اصطناعي" مستقلين.

إن النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) والذكاء الاصطناعي التوليدي منحت أوراقاً قوية لجهات لم تكن تملك أي نفوذ في السابق، وذلك عبر:

  1. توليد الهجمات السيبرانية ذاتية التوجيه: تنفيذ عمليات اختراق معقدة بتكلفة لا تُذكر.
  2. اكتشاف الثغرات الأمنية: قدرة الأنظمة الذكية على رصد نقاط الضعف في البرمجيات الحساسة قبل أن يكتشفها المبرمجون أنفسهم.
  3. ديمقراطية السلاح الرقمي: وصول هذه الأدوات الفتاكة إلى مستخدمين غير مصرح لهم، مما يجعل احتواء انتشارها ضرباً من الخيال.

حتمية التعاون في عالم مضطرب

يختم فريدمان رؤيته بدعوة أخلاقية وسياسية ملحة؛ ضرورة التعاون بين القطبين التقنيين، الولايات المتحدة والصين. هذا التعاون ليس خياراً ديبلوماسياً بل هو ضرورة وجودية لوضع آليات تحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي، تماماً كما اتفقت القوى العظمى على الحد من التسلح النووي إبان الحرب الباردة.

إن غياب هذا التنسيق الدولي سيجعل العالم أجمع، بما في ذلك القوى الكبرى، عرضة لتقلبات واضطرابات واسعة النطاق تقودها أطراف صغيرة بضغطة زر واحدة. ففي صراع ترامب وإيران، لم تعد القوة تُقاس بحجم الأسطول، بل بالقدرة على فهم وإدارة عالم لم يعد فيه أحد يملك الأوراق الرابحة بمفرده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *