فقه الأولويات: تأصيل شرعي ومنهج إداري متكامل في ظلال الشريعة

فقه الأولويات: تأصيل شرعي ومنهج إداري متكامل في ظلال الشريعة

فقه الأولويات: تأصيل شرعي ومنهج إداري متكامل في ظلال الشريعة

إن المتأمل في شمولية الشريعة الإسلامية الغراء، يدرك بيقين أنها لم تترك شاردة ولا واردة في شؤون الدين والدنيا إلا ووضعت لها ميزانًا قسطًا، ومنهاجًا مستبينًا. وفي عصرنا الراهن، الذي تسارعت فيه وتيرة الحياة وتعددت فيه المشاغل، برز ما يسمى في أدبيات الإدارة الحديثة بفن ترتيب الأولويات، وهو في جوهره ليس إلا قبسًا من مشكاة النبوة التي أسست لما يُعرف بـ فقه الأولويات منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.

بين بريق الإدارة المعاصرة وعمق الأصالة الإسلامية

لقد عكف منظرو الإدارة الحديثة في الغرب على صياغة قواعد لضبط الأداء البشري، ولعل من أبرزهم الكاتب الأمريكي ستيفن كوفي في كتابه الذائع الصيت "العادات السبع"، حيث جعل قاعدة (البدء بالأهم قبل المهم) ركيزة أساسية للنجاح. بيد أن القارئ البصير يدرك أن هذا المفهوم متجذر في أرومة الفكر الإسلامي تحت مسمى "فقه مراتب الأعمال"؛ فالشريعة المحمدية لم تغفل شؤون الدنيا قط، بل صاغت لها منهجًا مؤصلاً عرفه من استنار بنور الوحي وجهله من انصرف عنه.

تعريف فقه الأولويات ومكانته في السنة النبوية

يُعرف فقه الأولويات في الاصطلاح الشرعي بأنه: «معرفة ما هو أجدر من غيره في التطبيق»، وهو ميزان دقيق للمفاضلة بين الأعمال، وبيان أيها أولى بالتقديم رتبةً وزمانًا. وتتجلى هذه المفاضلة في أبهى صورها فيما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

سألت رسول الله ﷺ: أي العمل أفضل؟ قال: “الصلاة لوقتها”، قال: قلت: ثمّ أي؟ قال: “برّ الوالدين”، قلت: ثمّ أي؟ قال: “الجهاد في سبيل الله” (رواه البخاري).

إن هذا الترتيب النبوي ليس مجرد سرد للأعمال، بل هو تعليم للأمة كيف تضع كل عمل في نصابه الصحيح وفق مقتضيات الحال والمصلحة الشرعية.

المنهج النبوي في التدرج والترتيب

لقد رسم لنا المصطفى صلى الله عليه وسلم معالم الطريق في فقه الدعوة والإدارة من خلال تقديم الأصول على الفروع، والفرائض على النوافل. ويتضح ذلك جليًا في وصيته لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن، حيث قال له صلى الله عليه وسلم:

” إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” (متفق عليه).

إسهامات الفكر الإسلامي المعاصر في تأصيل الأولويات

لقد جلى العلماء المعاصرون هذا المفهوم وأبرزوا معالمه، ومن أوفى من كتب في ذلك العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي -رحمه الله تعالى- في كتابه المرجعي «فقه الأولويات في ضوء القرآن والسنة»، حيث فصل فيه مراتب العمل الإسلامي:

  • في مجال المأمورات: تقديم الأصول على الفروع، والفرائض على السنن، ومصلحة الأمة والجماعة على مصلحة الفرد والقبيلة.
  • في مجال الإصلاح: أولوية تغيير ما بالأنفس قبل محاولة تغيير الواقع الخارجي، وأولوية التربية والبناء الفكري قبل الجهاد والمواجهة.
  • في مجال القيم: تقديم الكيف على الكم، والجوهر على المظهر.

ضرورة استعادة المبادرة الحضارية

إذا كان ستيفن كوفي قد أبدع في قولبة هذه المفاهيم ضمن إطار عملي منظم يسهل فهمه في عصر المادة، فإن الحري بنا نحن ورثة هذا الإرث الحضاري العظيم أن نكون سباقين إلى استنباط هذه العلوم من معين الوحي الصافي. إن فقه الأولويات ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة شرعية وإدارية لاستنهاض الأمة.

خاتمة:
إن إدراك فقه الأولويات هو عاصم المسلم من التخبط في دروب الحياة، وبه تستقيم الموازين وتتحقق المقاصد. فاللهم بصرنا بمراتب الأعمال، وفقنا لتقديم ما تحب وترضى، واجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهك الكريم، موافقة لهدي نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *