نزيف الأمل في الضفة الغربية: هل يلفظ القطاع الصحي الفلسطيني أنفاسه الأخيرة؟

نزيف الأمل في الضفة الغربية: هل يلفظ القطاع الصحي الفلسطيني أنفاسه الأخيرة؟

حين يغدو المسكن ترفاً: حكاية نيفين والألم المقيم

هل يمكن للوجع أن يستوطن الجسد حتى يصبح جزءاً من الهوية؟ في بلدة عجة جنوب جنين، ترسم نيفين سليمان (33 عاماً) ملامح هذه التراجيديا اليومية. نيفين التي ينهشها داء "كرون" (Crohn’s Disease) — وهو ذلك الالتهاب المزمن الذي يفتك ببطانة الجهاز الهضمي من الفم وصولاً إلى القولون كأنه نار تلتهم الهشيم — وجدت نفسها رهينة حقنة بيولوجية غائبة. هذه الحقن ليست مجرد دواء، بل هي المفاتيح الحيوية التي تفتح أقفال المناعة المعطلة لتكبح جماح المرض.

تتجرع نيفين مرارة الفقد مرتين؛ مرة بفقدان الصحة، ومرة بعجز القطاع الصحي الفلسطيني عن توفير علاجها الذي يلامس سقفه الـ 15 ألف شيكل شهرياً. إن غياب هذا العلاج البيولوجي من مستودعات وزارة الصحة حوّل حياة أم لأربعة أطفال إلى سلسلة من النزيف والهزال، حيث تكتفي اليوم بمسكنات وريدية لا تداوي جرحاً، بل تؤجل الصرخة فقط.

خناق المقاصة: اقتصاد الأرقام الجريحة

لا يمكن فهم أنين المرضى دون إدراك حجم الحصار المالي الذي يطوق عنق السلطة الفلسطينية. إن الأزمة ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج سياسة ممنهجة تتمثل في احتجاز أموال المقاصة — وهي الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة وتعد الشريان الأبهر للميزانية العامة. هذا الاحتجاز حول المستشفيات من قلاع للشفاء إلى مؤسسات مثقلة بالديون.

إليك ملامح الانهيار بلغة الأرقام القاسية:

  • 5 مليارات دولار: إجمالي اقتطاعات الاحتلال من أموال المقاصة منذ عام 2019 حتى مطلع 2026.
  • 2.6 مليار شيكل: ديون متراكمة على الحكومة لصالح المستشفيات الخاصة والأهلية.
  • 1.1 مليار شيكل: مستحقات متأخرة لشركات توريد الأدوية، مما أدى لنفاذ 13% من الأصناف الأساسية.
  • 740 مليون شيكل: ديون مستشفى النجاح الوطني الجامعي وحده بذمة وزارة المالية.

المستشفيات بين سندان الديون ومطرقة الواجب

في أروقة مستشفى النجاح بنابلس، يتحدث الدكتور إياد مقبول عن واقع يفيض بالأسى. المستشفى الذي يستقبل 1300 مريض أورام و600 مريض غسيل كلى شهرياً، يجد نفسه مضطراً للاعتذار عن استقبال حالات جديدة. إن توقف الانسيابية المالية جعل المشافي عاجزة عن سداد ديون البنوك أو حتى توفير الطعام للمرضى ورواتب الكوادر الطبية التي تراجعت في بعض الأحيان إلى نصف راتب.

هذا الواقع دفع المستشفيات لتبني "بروتوكولات تقشفية" قاسية، حيث يتم أحياناً تأخير العلاج الكيماوي أو البيولوجي، وهو ما يعني طبياً انتقال المريض من مراحل المرض الأولى إلى مراحل متقدمة وخطيرة، في سباق مع الزمن يخسره المريض الفلسطيني يومياً.

أطباء على خط النار بلا ذخيرة

يتجلى المشهد الأكثر إيلاماً في وضع الكوادر الطبية. يشير الدكتور صلاح الهشلمون، نقيب الأطباء، إلى مفارقة صارخة؛ فبينما يوجد 6 آلاف طبيب خريج في الضفة الغربية، لا يعمل في المستشفيات الحكومية سوى 1500 طبيب فقط. هؤلاء الأبطال الذين يواجهون ضغطاً هائلاً، خاصة مع تقليص أيام الدوام للتعايش مع أزمة الرواتب، يجدون أنفسهم عاجزين حتى عن تغطية تكاليف مواصلاتهم إلى أماكن عملهم.

إن اعتماد المستشفيات الحكومية الـ 19 على أطباء الامتياز والمتطوعين الذين يعملون بلا رواتب منتظمة هو مراهنة خاسرة على عامل الزمن، وتهديد مباشر لمنظومة استقبلت أكثر من مليون مراجع في عيادات الطوارئ خلال عام واحد فقط.

الخاتمة: حين يصبح الصمود استحقاقاً طبياً

إن ما يواجهه القطاع الصحي الفلسطيني اليوم ليس مجرد عجز مالي عابر، بل هو زلزال يضرب أركان الأمن الصحي القومي. إن استمرار احتجاز الأموال وتدمير المنظومة الصحية في غزة، بالتوازي مع خنق مشافي الضفة، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية كبرى. إن الحق في العلاج ليس منحة، والألم لا ينتظر انتهاء المفاوضات السياسية. ستبقى حكاية نيفين وأنين مرضى الكلى والأورام شاهدة على مرحلة من أصعب مراحل التاريخ الفلسطيني، حيث يمتزج فيها صمود الجسد مع قهر السياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *