معارج الهمة: ثلاث ركائز لاستعادة الشغف في زمن التشتت الرقمي
تطل علينا صورة الإنسان المعاصر في مشهدٍ يبعث على الأسى؛ حيث تُمثل "كلارا" نموذجاً لجيلٍ استلبه العالم الرقمي، فبات يخشى السكون كما يخشى الردى. تعود إلى منزلها، فتلقي بأعباء يومها، لكنها لا تلقي بهاتفها الذي بات قيداً يكبّل روحها. حتى تلك الدقائق الثلاث التي ينتظر فيها الطعام نضجه، تستكثرها على نفسها في تأملٍ أو صمت، فتهرع إلى شاشتها هرباً من مواجهة ذاتها، وكأن الفراغ وحشٌ كاسر يهدد كيانها.
إن هذا الاغتراب عن الذات، وهذا الركود في مستنقع التصفح اللامتناهي، أورث الأمة وهناً في العزيمة وفقداناً لـ تعزيز الشغف والهمة. فوفقاً لإحصائيات معاصرة، بات ربع البالغين يدرجون "تصفح الوسائط" كهواية وحيدة، وهو لعمري إفلاسٌ روحي وفكري يستوجب الوقفة والمراجعة.
أولاً: استثمار الفراغ وتحويل الصمت إلى بصيرة
إن أولى خطوات استعادة الشغف تبدأ من التصالح مع الصمت. لقد درج الأقدمون على أن السكون هو وعاء الإلهام، وأن النفس إذا لم تُشغل بالحق والتدبر، شُغلت بالباطل والعبث. إن عجز المرء عن الوقوف وحيداً دون مشتت رقمي لمدة دقائق هو مكمن العلة.
كان السلف الصالح يدركون قيمة الوقت، فهو رأس مال المسلم، وفي الحديث الشريف قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: "نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ" (رواه البخاري). إن هذا الفراغ الذي نهرب منه هو "الفراغ الخصيب" الذي تنبت فيه الأفكار وتولد فيه العزائم. إن تجربة العزلة، كما عاشها رائد الفضاء في رواية "غريب المريخ"، أو كما يعيشها مراقبو الطيور في صمتهم الطويل، ليست عقاباً، بل هي فرصة لإعمال العقل واستخراج مكنونات النفس.
ثانياً: رعاية الشغف بالديمومة والممارسة
الشغف ليس كنزاً يُعثر عليه مصادفة في دروب الحياة، بل هو غرسٌ يحتاج إلى سقاية ورعاية. إن القاعدة الذهبية في الإسلام تقوم على أن الاستمرارية هي مفتاح البركة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" (متفق عليه).
- استثمر فيما تحب: ابحث عن تلك الاهتمامات التي كنت تمارسها في صغرك، أو تلك التي تميل إليها نفسك ميلاً يسيراً، ثم ارتقِ بها درجة.
- بذل الجهد والمال: لا تضنّ على شغفك بمالٍ تشتري به أدواته، أو وقتٍ تبذله في تعلم فنونه؛ فما يُبذل في سبيل تزكية النفس وتطوير المهارة هو استثمارٌ رابح.
- التركيز: كما فعل "والت ديزني" في طفولته حين ركز على خربشاته حتى غدت إمبراطورية، فإن اهتمامك الذي تراه اليوم بسيطاً قد يكون هو الميدان الذي تخدم من خلاله أمتك وتُحقق فيه ذاتك.
ثالثاً: صدق التوجه والتحرر من قيود التصنع
إن أكبر عائق أمام تعزيز الشغف والهمة هو الخوف من نظرة المجتمع، أو ما يُسمى بـ "الإحراج" من التمسك بهوايات قد يراها البعض غريبة. إن المؤمن القوي هو الذي يستمد قيمته من صدقه مع ربه ونفسه، لا من تصفيق الجماهير أو موافقة القطيع.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: "بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ" (سورة القيامة: 14). فإذا وجدت أنسك في مراقبة خلق الله، أو في القراءة، أو في أي فنٍ مباح، فلا تتركه خجلاً. إن الذين يسخرون من شغف الآخرين هم في الغالب أسرى لقيود اجتماعية ثقيلة، يرتدون أقنعة التكلف ويفتقدون لذة الصدق.
لقد أثبتت الدراسات النفسية أن "الأصالة" -أي أن يكون الإنسان صادقاً مع ذاته- هي مفتاح السعادة والرفاه النفسي. وعندما تفتح قلبك لما تحب، ستجد أن الناس الطيبين ينجذبون إليك بصدقك، فالمعدن الأصيل يفرض احترامه على الجميع.
خاتمة: نحو حياةٍ ملؤها العزم
إن الشغف هو الوقود الذي يحرك سفينة الحياة في بحر الوجود المتلاطم. فكن غريب الأطوار بتميزك، متعمقاً في اهتماماتك، مترفعاً عن سفاسف الأمور. تذكر دائماً أنك لم تُخلق عبثاً، وأن كل لحظة تقضيها في بناء مهارة أو تأمل آية هي خطوة نحو الكمال البشري.
اللهم ارزقنا همةً تنطح الثريا، وشغفاً لا ينطفئ في طاعتك وعمارة أرضك، واجعل أوقاتنا معمورة بذكرك وبما ينفعنا في ديننا ودنيانا. آمين.



اترك تعليقاً