الاستلاب الجبائي وحصانة الأوقاف: دراسة في جدلية المال والسلطة في عصر المماليك

الاستلاب الجبائي وحصانة الأوقاف: دراسة في جدلية المال والسلطة في عصر المماليك

الاستلاب الجبائي وحصانة الأوقاف: دراسة في جدلية المال والسلطة في عصر المماليك

لقد مثلت دولة المماليك في تاريخنا الإسلامي حقبةً فريدةً امتزج فيها ذروة المجد العسكري بحدة الأزمات المالية، حيث شهدت هذه الدولة تحولاتٍ كبرى في مواردها الاقتصادية، دفعتها في كثير من الأحيان إلى التوسع في فرض المكوس واللجوء إلى المصادرات القسرية. وفي ظل هذا الضغط الجبائي المتزايد، برز الوقف في دولة المماليك ليس فقط بوصفه مؤسسةً خيريةً تعبدية، بل كدرعٍ شرعيٍّ وملاذٍ آمنٍ لجأ إليه الناس لحماية ثرواتهم من يد المصادرة والتعسف. يتناول هذا البحث بالعرض والتحليل تلك العلاقة التفاعلية بين سياسات الجباية وتطور النظام الوقفي، مستشرفاً أبعادها التاريخية ومقاصدها الفقهية.

السياق التاريخي: من ذروة الازدهار إلى ضائقة الموارد

بزغت شمس دولة المماليك من رحم الاضطراب الذي أعقب انحسار الدولة الأيوبية، حيث تحول هؤلاء الفرسان من طبقة عسكرية رقيقة إلى حماةٍ للديار وسدنةٍ للحكم. وقد استطاعوا عبر قرنين من الزمان تشييد كيانٍ سياسيٍّ باذخ، وصد خطرين وجوديين هما التتار والصليبيون.

بيد أن الازدهار الاقتصادي الذي نعم به القطر المصري بفضل تحول طرق التجارة العالمية، ما لبث أن واجه عواصف التغيير مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، مما أدى إلى نضوب الموارد الخارجية واضطرار السلطة إلى البحث عن بدائل داخلية لسد عجز الخزانة، فكانت الضرائب والمصادرات هي الوسيلة الأقرب منالاً، والأثقل حملاً على كاهل الرعية.

التأصيل الفقهي للضريبة بين الضرورة والتعسف

إن المتأمل في مدونات الفقه الإسلامي يجد أن الأصل في الأموال الحرمة، إلا أن الفقهاء أجازوا في حالاتٍ استثنائية فرض ما يشبه الضريبة لسد حاجات المسلمين الملحة.

  • فقد ذهب الإمام ابن حزم الظاهري (ت: 456هـ) -رحمه الله- إلى وجوب ذلك عند الحاجة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: 26]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: 36]؛ حيث قال: «وفرض على الأغنياء من أهل كل بلد أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف بمثل ذلك، وبمسكن يكنهم من المطر، والصيف والشمس وعيون المارة… فأوجب تعالى حق المساكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين مع حق ذي القربى وافترض الإحسان إلى الأبوين، وذي القربى، والمساكين، والجار، وما ملكت اليمين، والإحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك».

  • أما إمام الحرمين الجويني (ت: 478هـ) -رحمه الله- فقد ربط ذلك بخلو بيت المال، قائلاً: «فليشر على أغنياء كل صقع بأن يبذلوا من المال ما يقع به الاستقلال».

  • وكذلك قرر الإمام الغزالي (ت: 505هـ) -رحمه الله- الجواز المقيد بالضرورة الدفاعية، حيث قال: «أما إذا خلت الأيدي من الأموال، ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر، ولو تفرق العسكر واشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام، أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة في بلاد الإسلام؛ فيجوز للإمام أن يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند».

وهنا يبرز الفارق الجوهري؛ فبينما قيد الفقهاء الجباية بمصالح الأمة العليا، انحرفت الممارسة في عصر المماليك لتصبح مورداً دائماً يُنفق في غير وجوهه الشرعية، مما جعل العلماء كابن تيمية وغيره يفتون بحرمة تلك المكوس الجائرة.

تغول الجباية وسياسة المصادرات

لم يترك الجباة في عصر المماليك مرفقاً إلا وطالته أيديهم، حتى شملت الضرائب الحوانيت، والبساتين، وحتى المراكب والأفراح. وقد تفننوا في تسميتها بأسماء موهمة كـ «الهلالية» و«الحقوق السلطانية» للتخفيف من وقعها النفسي.

أما المصادرة، فقد تحولت من عقوبة تعزيرية استثنائية إلى أداة مالية ممنهجة، طالت الأمراء والتجار والقضاة. ومن شواهد ذلك:

  • مصادرة أموال التاجر سيف الدين السرمري مرتين بمبالغ طائلة.
  • تعذيب والد القاضي علي بن الصابوني حتى الموت لاستخلاص مائة ألف دينار.
  • مصادرة أموال المؤرخ الشهير النويري بتهم واهية.

الوقف كآلية حماية واجتماعية

أمام هذا الإعصار الجبائي، وجد المجتمع في نظام الوقف مخرجاً شرعياً ذكياً. فبينما كان الوقف في أصله قربةً محضة، تطور في عصر المماليك ليأخذ أبعاداً حمائية، وظهر ذلك في:

  1. الوقف الذري (الأهلي): حيث يقف المرء ماله على ذريته، فيخرج المال عن ملكه الشخصي الذي تطاله المصادرة، إلى ملك الله تعالى الذي تحميه أحكام الوقف.
  2. الوقف المختلط: وهو أذكى هذه الوسائل، حيث يوقف السلطان أو الأمير أرضاً شاسعة على مدرسة أو جامع، ويشترط صرف الفاضل من الريع لنفسه ولولده، فيكتسب المال حصانةً مضاعفة بصبغته الخيرية.

لقد أدرك ابن خلدون هذه الظاهرة بعمق بصيرة، حيث قال: «وذلك أن أمراء الترك في دولتهم يخشون عادية سلطانهم على من يتخلفونه من ذريتهم لما له عليهم من الرّق أو الولاء، ولما يخشى من معاطب الملك ونكباته؛ فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة يجعلون فيها شركاً لولدهم ينظر عليها، أو يصيب منها».

صراع السيادة بين الفقهاء والسلاطين

لم يقف العلماء مكتوفي الأيدي أمام محاولات السلاطين المتكررة للاستيلاء على هذه الأوقاف بحجة الحروب. فسطر التاريخ مواقف مشرفة:

  • موقف العز بن عبد السلام مع السلطان قطز.
  • إنكار النووي على الظاهر بيبرس (رحمهم الله جميعاً).
  • صرخة سراج الدين البلقيني في وجه السلطان برقوق حين قال: «أوقاف الجوامع والمساجد والمدارس والخوانق… لا يحل لأحد أن يتعرّض بحلها بوجه من الوجوه».

خاتمة وتبصر

إن دراسة تاريخ الوقف في دولة المماليك تكشف لنا عن حيوية المجتمع المسلم وقدرته على ابتكار الحلول الشرعية في مواجهة الأزمات. لقد كان الوقف هو الحصن الذي حفظ للأمة علمها وعمرانها حين تخلت الدولة عن وظائفها أو عجزت مواردها.

ونستخلص من هذا البحث أن العدل هو أساس العمران، وأن التغول في الجباية لا يورث إلا تآكل موارد الدولة وانصراف الناس عن التنمية إلى التحصن خلف الأوقاف. نسأل الله عز وجل أن يوفق ولاة أمور المسلمين لما فيه خير الرعية، وأن يديم على أمتنا نعمة الوقف وصيانة الحقوق، إنه سميع مجيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *