أنين الأرض تحت وطأة النيران
هل يمكن لاتفاقات الورق أن تضمد جراحاً تنزف على أديم الواقع؟ في جنوب لبنان، حيث تتعانق أشجار الزيتون مع تطلعات الصامدين، استيقظت القرى على وقع غارات جوية بددت سكون الفجر وأحالت المنازل ركاماً، في مشهد يجسد غطرسة القوة التي لا تقيم وزناً للمواثيق الدولية. لقد شهد يوم الأحد فصلاً دموياً جديداً، حيث ارتقى 18 شهيداً في حصيلة تعكس حجم المأساة الإنسانية المتفاقمة.
غارات دامية واستهداف للكوادر الإنسانية
لم تكن الغارات مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل كانت استهدافاً مباشراً للحياة في أبسط صورها. ففي بلدة عربصاليم، طالت يد العدوان من نذروا أنفسهم لإنقاذ الآخرين، حيث استشهد مسعف وأصيب آخرون من الهيئة الصحية الإسلامية وجمعية الرسالة للإسعاف الصحي. هذا الاستهداف الممنهج للطواقم الطبية وصفته وزارة الصحة اللبنانية بأنه تجسيد لـ "المنطق الهمجي" الذي يتجاوز كل القوانين الإنسانية.
تفاصيل الحصيلة المؤلمة ليوم الأحد:
- بلدة صير الغربية: مقتل 11 شخصاً وإصابة 9 آخرين إثر تدمير منزل بالكامل.
- بلدة عربصاليم: شهيدان و10 جرحى، أغلبهم من الكوادر الطبية.
- بلدات عبا وطورا والدوير: مقتل شاب سوري ومزارع لبناني في استهداف لدراجات نارية.
- بلدة جبشيت: سقوط شهيد إثر غارة جوية.
- النبطية والشرقية وياطر: تدمير واسع للمباني والمنازل السكنية.
سياسة الأرض المحروقة: إنذارات الإخلاء القسري
بالتوازي مع القصف المركز، يمارس جيش الاحتلال ضغوطاً نفسية وميدانية عبر توجيه إنذارات بالإخلاء الفوري لسكان 6 قرى في محافظتي النبطية والجنوب. هذه الإنذارات تطالب السكان بالابتعاد لمسافة لا تقل عن 1000 متر نحو الأراضي المفتوحة، وهي ذريعة لتفريغ الأرض وتمهيدها للقصف التدميري.
القرى المهددة بالإخلاء هي:
- كفرصير.
- صير الغربية.
- الزرارية.
- أنصار.
- مزرعة كوثرية الرز.
- الخرايب.
لغة الأرقام: فاتورة الصمود الباهظة
خلف كل رقم في هذه الإحصائيات قصة إنسان، وحلم مجهض، وعائلة شتت شملها. إن ما يحدث في جنوب لبنان هو خرق مستمر لاتفاق وقف إطلاق النار الهش الذي أُعلن في أبريل الماضي، وتمدد مؤخراً حتى مطلع يوليو.
إحصائيات العدوان منذ 2 مارس الماضي:
- الشهداء: 3,151 شخصاً قضوا نحبهم.
- الجرحى: 9,571 مصاباً يتلقون العلاج.
- النازحون: أكثر من مليون شخص هُجروا من ديارهم.
- التوغل البري: وصلت القوات الإسرائيلية إلى عمق 10 كيلومترات داخل الحدود الجنوبية.
الرد الميداني وتوازن الردع
في المقابل، لم يقف حزب الله مكتوف الأيدي أمام هذا التصعيد، بل أعلن عن تنفيذ سلسلة من العمليات النوعية استهدفت مراكز قيادية وتجمعات لقوات الاحتلال في بلدات البياضة و"نمر الجمل" باستخدام المسيرات الانقضاضية وقذائف المدفعية، بالإضافة إلى التصدي للمسيرات الإسرائيلية بصواريخ أرض-جو في أجواء بلدة رومين عزة، في محاولة لفرض معادلة الردع الميداني.
خاتمة: صرخة الحق في وجه الطغيان
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم ليس مجرد صراع حدودي، بل هو اختبار للضمير العالمي الذي يقف صامتاً أمام تمزيق الاتفاقات واستباحة دماء المدنيين والمسعفين. ستبقى دماء الشهداء في عربصاليم وصير الغربية شاهدة على أن إرادة البقاء أقوى من آلة الفناء، وأن الأرض التي ارتوت بدم أبنائها لا يمكن أن تنكسر أمام رياح العدوان العاتية. إن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وصمود أهل الجنوب هو الضمانة الوحيدة لاستعادة السكينة إلى تلك الربوع النازفة.



اترك تعليقاً