صعيد عرفات: ميثاق التوحيد ومرفأ الأرواح في رحاب العبودية

صعيد عرفات: ميثاق التوحيد ومرفأ الأرواح في رحاب العبودية

صعيد عرفات: ميثاق التوحيد ومرفأ الأرواح في رحاب العبودية

ما سرُّ هذا الحنينِ المتدفقِ الذي يغمرُ الجوانحَ كلما أطلَّ موسمُ الحجِّ ببهائه؟ إنَّه يوم عرفة والدعاء، الميقاتُ الذي تتقاصرُ دونه الدنيا، وتشرئبُّ فيه الأرواحُ نحو مكةَ المكرمة، كأنَّما هي على موعدٍ أزليٍّ مع الكعبةِ المشرفة لا تفتأُ تطلبه، تلبيةً لنداءٍ قديمٍ سكنَ وجدانَ الزمان.

نداء الخليل: استجابة الأرواح لرب البيت

إنَّ هذه الجذوةَ المتقدةَ في القلوبِ ما هي إلا صدى لدعوةِ إبراهيمَ عليه السلام في غابرِ الأزمان، حينَ استودعَ أهلَهُ وولدَهُ في ذلك الوادي القفر، ورفعَ كفَّيِ الضراعةِ لربِّه عز وجل قائلاً: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (إبراهيم: 37). فكانت الاستجابةُ من الأرواحِ قبل الأقدام.

ولم يكنْ رفعُ القواعدِ من البيتِ على يدِ الخليلِ وابنهِ إسماعيلَ عليهما السلام مجردَ تشييدٍ لبنيانٍ ماديّ، بل كانَ تجسيداً لافتقارِ العبدِ لربه، إذ لهجا بالدعاء: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} (البقرة: 127)؛ ليرسخَ في يقينِ الخلقِ أنَّ القبولَ عند الله سبحانه وتعالى منوطٌ بصدقِ السرائرِ لا بضخامةِ المظاهر.

بين البيت المعمور والكعبة المشرفة

وفي مشهدٍ يفيضُ بالجلال، رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلةَ المعراجِ في السماءِ السابعةِ إبراهيمَ عليه السلام مسنداً ظهرَهُ إلى البيتِ المعمور، الذي يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه أبداً! فسبحانَ من جازى الإحسانَ بالإحسان؛ فمن ربطَ قلوبَ العبادِ ببيتهِ في الأرض، أكرمه الله عز وجل بإسنادِ ظهرهِ إلى بيتهِ في السماء.

انضباط الشعيرة وكسر كبرياء الجاهلية

لما كانت العبادةُ هي الغايةَ القصوى من الوجود، أحاطها الله سبحانه وتعالى بنظامٍ صارمٍ يضبطُ الزمانَ والمكان؛ فلا حجَّ خارجَ الأيامِ المعلومات، ولا وقوفَ إلا في رحابِ عرفات. هذا الانضباطُ هو مدرسةٌ عمليةٌ تذوبُ فيها الأنانيةُ لتتحركَ الملايينُ كجسدٍ واحدٍ يجمعهم نداءٌ واحد.

وقد جاء هذا النظامُ ليهدمَ غطرسةَ الجاهليةِ وطبقيتَها؛ إذ كانت قريشٌ تستنكفُ عن الوقوفِ مع الناسِ في عرفات، مكتفيةً بمزدلفةَ استعلاءً بنسبِها، فنزلَ البيانُ الإلهيُّ حاسماً: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} (البقرة: 199). فكانت الآيةُ إعلاناً لمبدأِ المساواةِ المطلقة، حيثُ لا فضلَ لغنيٍّ بماله ولا لشريفٍ بنسبه، وإنما السيادةُ لقلبٍ انكسرَ فقراً لربه عز وجل.

فلسفة الاستسلام وهدي النبوة

يتجلى جوهرُ الحجِّ في الامتثالِ المطلقِ لأمرِ الله سبحانه وتعالى، كما في قوله تعالى لإبراهيم: ﴿أَسْلِمْ﴾، فقال في يقينٍ راسخ: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131). وقد جسدَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم هذا الامتثالَ في مناسكِهِ حين قال: «خذوا عني مناسككم»، لتنتظمَ أمواجُ الحجيجِ البيضاءُ خلفَ هديِهِ الرحيم، سائرةً نحو شواطئِ الرحمات.

دروس مستفادة من رحلة الحج:

  • التجرّد من المظاهر: الحجُّ فرصةٌ لخلعِ رداءِ التميزِ والظهورِ والعودةِ إلى بساطةِ الفطرة.
  • تحطيم كيد الشيطان: ما رُئي الشيطانُ يوماً هو فيه أصغرُ ولا أدحرُ منه في يوم عرفة لما يرى من تنزّلِ الرحمة.
  • بركة المكان: استحضارُ موكبِ الأنبياءِ والصالحين الذين عفروا جباههم في هذه البطاح.
  • الانقطاع لله: رحلةٌ تنتشلُ النفسَ من مستنقعِ الغفلةِ إلى رحابِ اليقظة.

الحج بين جوهر التجرّد وضجيج المادية

يواجهُ جلالُ هذه الشعيرةِ اليومَ تحديَ النزعةِ الاستهلاكيةِ والتباهي الرقمي؛ إذ تحولَ الحجُّ في بعضِ مظاهرهِ إلى سوقٍ للتنافسِ الطبقيِّ عبر ما يُسمى بـ "الحج الفاخر"، أو من خلالِ لقطاتِ "السيلفي" التي قد تخدشُ حياءَ الخلوةِ مع الله عز وجل. إنَّ رسالةَ يوم عرفة والدعاء تكمنُ في قدرةِ العبدِ على خلعِ رغبتهِ في الظهور، ليعودَ إلى مقامِ الانكسارِ الذي هو سرُّ القبول.

ذروة التوحيد في خير الدعاء

يصلُ المشهدُ إلى ذروةِ التوحيدِ في الدعاء؛ فهو التعبيرُ العمليُّ عن الافتقارِ التام. وقد أخبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أفضلَ ما قاله هو والنبيون من قبله في هذا اليوم: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». هنا تتجلى الأمةُ ككيانٍ واحدٍ يتجاوزُ اللغاتِ والحدود، في بيئةٍ إيمانيةٍ ينمو فيها اليقينُ بالمخالطةِ والصحبةِ الصادقة.

الخاتمة: من عرفات إلى الحشر الأكبر

مع غروبِ شمسِ عرفة، يستشعرُ المؤمنُ أنَّ النجاةَ ليست بالذكاءِ ولا بالقوة، بل برحمةِ الله المفيضةِ على القلوبِ المنكسرة. ومن بليغِ الحكمةِ أن يتلازمَ الحجُّ مع الاستغفار؛ قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (البقرة: 199)، ليعودَ الحاجُّ وقد أيقنَ أنَّ زحامَ عرفات ما هو إلا صورةٌ مصغرةٌ ليومِ الحشرِ الأكبر، كما قال سبحانه: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} (البقرة: 203). فاللهم اجعلنا ممن أسلموا وجوههم إليك، وقُبلت دعواتهم في هذا اليوم العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *