غبار في طريق "اتفاق الستين يوماً": لماذا لم تضع واشنطن وطهران أوزار الحرب بعد؟
هل يولد السلام من رحم التوجس؟ أم أن خيوط الفجر الدبلوماسي ما زالت عالقة في شباك المصالح المعقدة؟ يترقب العالم بأسره لحظة الإعلان عن الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي وُصف بأنه "هدنة الستين يوماً"، ليكون برداً وسلاماً على منطقة تغلي فوق صفيح ساخن. ورغم بشائر التفاؤل التي لاحت في الأفق، إلا أن قلم التوقيع ما زال يرتجف فوق الورق، فما الذي يحبس الأنفاس ويؤخر هذا العناق السياسي المرتقب؟
مضيق هرمز: شريان العالم وعقدة السيادة
تمثل الجغرافيا في هذا الصراع قدراً لا يمكن الفكاك منه، حيث يبرز مضيق هرمز كأكبر العقبات التي تعترض طريق الاتفاق. فالخلاف هنا ليس على مجرد ممر مائي، بل هو صراع على "الكبرياء السيادي".
- الرؤية الإيرانية: تتمسك طهران بحقها الأصيل في تنظيم المرور بالمضيق وإدارته كصاحبة دار، رافضة فرض أي رسوم، وهو ما يراه المحلل رضا غبيشاوي جوهر الأزمة.
- التعنت الأمريكي: ترفض واشنطن هذا الانفراد الإيراني، وتصر على أن يظل الممر تحت مظلة القوانين الدولية التي تضمن حرية الملاحة دون قيود أحادية.
- كلمة ترمب: جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبر منصة "تروث سوشيال" ليصب الزيت على نار الانتظار، مؤكداً أن الحصار على الموانئ الإيرانية سيظل "بكامل قوته" حتى يُعتمد الاتفاق رسمياً.
ذرة القلق: ميزان التخصيب والضمانات المستحيلة
في غياهب المختبرات النووية، تكمن الشياطين التي تسكن التفاصيل. فالمعضلة النووية ليست أرقاماً في سجلات الوكالة الدولية فحسب، بل هي ميزان قوى يرفض الطرفان اختلال كفتيه.
- نسب التخصيب: تطالب واشنطن بتسليم اليورانيوم المخصب بنسبة 60% فوراً وتدميره، بينما تقترح طهران تسليمه لطرف ثالث (كروسيا) لضمان استعادته في حال نكصت واشنطن بوعودها.
- سقف التخصيب: يدور الجدل حول السماح لإيران بنسبة 3.67% للأغراض المدنية، وهي النسبة التي يرفضها ترمب بإيعاز من حلفائه.
- فخ التاريخ: تخشى طهران تكرار سيناريو 2018، لذا تلهث خلف "ضمانات قانونية ملزمة" تمنع أي إدارة أمريكية قادمة من تمزيق الاتفاق، وهو أمر يراه الدستور الأمريكي معقداً وشبه مستحيل الوفاء به.
أصابع خفية: إسرائيل والصفقة الكبرى
لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن "الظلال الإقليمية". فإسرائيل ترى في أي تقارب بين واشنطن وطهران تهديداً وجودياً إذا لم يتضمن تفكيكاً كاملاً للقدرات النووية الإيرانية.
ويشير أستاذ دراسات الشرق الأوسط عبد الحميد صيام إلى أن إسرائيل تحاول "تخريب" الأجواء عبر التصعيد الميداني في لبنان، لخلق بيئة سلبية تعيق التوقيع. وفي الوقت نفسه، يحاول ترمب تسويق الاتفاق داخل حزبه الجمهوري عبر ربطه بملفات أخرى، مثل توسيع دائرة التطبيع في المنطقة، وهو ما واجهته السعودية ببيان حاسم يربط أي خطوة بمسار فعلي لإقامة الدولة الفلسطينية.
عقبات تقنية وصعوبة الاتصال
بعيداً عن صخب السياسة، ثمة أسباب تقنية قد تبدو بسيطة لكنها جوهرية في تعطيل الإعلان:
- غياب الفريق: وجود شخصيات محورية مثل ماركو روبيو خارج واشنطن، وحاجة ترمب لمزيد من الاستشارات مع فريقه المقرب.
- عقدة التواصل: تشير تقارير إلى صعوبات تقنية في التواصل مع المرشد الأعلى الإيراني، الذي قد يكون خاضعاً لعلاج في مكان غير معلوم، مما يؤخر المصادقة النهائية.
الخاتمة: حكمة الانتظار فوق جمر الترقب
إن تأخر الاتفاق الأمريكي الإيراني ليس دليلاً على فشله، بل هو انعكاس لعمق انعدام الثقة المتراكم عبر العقود. إن السياسة، كالأدب الرفيع، تحتاج إلى صقل طويل قبل أن تخرج للنور في أبهى حلة. ربما تشهد نهاية الأسبوع الجاري ولادة هذا التفاهم، أو ربما نكتفي بـ "تهدئة غير رسمية" تمنح الطرفين فرصة لالتقاط الأنفاس. وفي كلتا الحالتين، يظل الحوار هو القنديل الوحيد الذي يضيء عتمة الصراعات، فالحرب دمار لا رابح فيه، والسلام شجاعة لا يقدر عليها إلا الواثقون.



اترك تعليقاً