علم المقاصد الشرعية: من فضاء التأصيل إلى آفاق التقنين والكمال

علم المقاصد الشرعية: من فضاء التأصيل إلى آفاق التقنين والكمال

مقدمة: في رحاب المقاصد وجلال الشريعة

لقد خاض علم المقاصد غمار رحلة علمية وتاريخية حافلة، حتى استوى على سوقه حقلاً معرفياً مستقلاً عن علم أصول الفقه. ورغم وشائج القربى والتقاطع في بعض المباحث والوظائف، إلا أن علم المقاصد أضحى كياناً متميزاً بخصائصه، مستقلاً بأدواته، بعد أن مر بمراحل نضج علمي جعلت منه منارةً للفقيه والمجتهد في فهم مرامي الوحي وحكم التشريع.

التمايز المنهجي بين الأصول والمقاصد

إن المتأمل في علم أصول الفقه يجد استغراقاً في المباحث الافتراضية أو شبه الافتراضية في أمهات مسائله، حتى في الأصول المتفق عليها. فلو نظرنا إلى القرآن الكريم، وهو ذروة سنام الأدلة وأصل الأصول الذي لا خلاف في حجيته لكونه كلام الله عز وجل الموحى به إلى عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، لوجدنا أن التفريعات الفقهية داخله قد شهدت تبايناً في الأنظار.

ومن أمثلة ذلك التباين:

  • جواز التعبد بالقرآن بغير اللغة العربية.
  • هل البسملة آية من سورة الفاتحة أم هي للفصل بين السور؟
  • حجية القراءات الشاذة من عدمها.
  • المباحث المتعلقة بالأحرف والقراءات ووجوه التفسير.

وكذلك الحال في السنة النبوية المطهرة، وهي الأصل الثاني المتمم للقرآن، فقد كثرت فيها المباحث الخلافية، ومن أهمها:

  1. شروط العمل بالحديث عند الأئمة الأربعة.
  2. حجية حديث الآحاد في العقائد.
  3. العمل بالحديث المرسل أو الضعيف.
  4. الرواية بالمعنى وضوابطها.

اليقين المقاصدي وثبات الكليات

على نقيض المباحث الفرعية الظنية، يتميز علم المقاصد بصبغة اليقين والقطع في كلياته. يقول الإمام ابن العربي المالكي في هذا السياق:

"لا خلاف في أن الله لم يفرق بين شرائع الديانات في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما فرق بينها في الفروع حسب علمه سبحانه وتعالى" (أحكام القرآن لابن العربي 4/123).

وقد ذهب الإمام الشاطبي وغيره إلى أن المقاصد الكبرى محل إجماع بين الملل والعقول، حيث قال:

"اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل، وعلمها عند الأمة ضروري، وإن لم يقم عليها دليل معين، ولا نص معين يشهد لأصلها، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلة لا تنحصر في باب واحد" (الموافقات 1/38).

ويؤكد الشاطبي غاية التشريع بقوله:

"إن الشريعة إنما جيء بها لمصالح العباد، فالأمر والنهي والتخيير كله راجع إلى حفظ مكلف ومصالحه، لأن الله تعالى غني عن العالمين ومنزه عن الأغراض" (الموافقات 1/148).

وهذا ما قرره قبله سلطان العلماء العز بن عبد السلام حين قال:

"فكل مأمور به ففيه مصلحة الدنيا والآخرة أو أحدهما، وكل منهي عنه ففيه مفسدة فيهما أو في أحدهما، فما كان من أعمالنا محصلاً للمصالح فهو من أحسن الأعمال، وما كان منها محصلاً للمفاسد فهو من أقبح الأعمال" (قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام 1/17).

تحديات معاصرة: بين الجمود والانفلات

رغم استقلال علم المقاصد وتراكم أدبياته، إلا أنه يتعرض في عصرنا الراهن لنوع من الحيف من فريقين متقابلين:

  • الفريق الأول: غير المتخصصين من أصحاب الفكر الحر أو العلماني، الذين يرون الدين مصلحة مطلقة يحددها الإنسان بغير قيد، مهدرين النصوص الجزئية من الكتاب والسنة. ويتكئ هؤلاء على مقولة الإمام الطوفي: "حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله"، دون انضباط بضوابط المصلحة المعتبرة أو تحديد لمن يملك حق تقديرها.
  • الفريق الثاني: بعض المتخصصين المعاصرين الذين غلوا في جعل المقاصد حاكمة على النصوص، مما قد يؤدي إلى تعطيل دلالات الوحي الصريحة بدعوى المصلحة المتوهمة.

نحو مرحلة التقنين والضبط

إننا ندعو اليوم إلى مرحلة جديدة نسميها "مرحلة تقنين علم المقاصد" أو "ضبط المقاصد". إن خارطة هذا العلم تحتاج إلى إعادة ترتيب من خلال:

  1. رد المقاصد إلى أصولها الشرعية المعتبرة.
  2. تحديد موقعها الدقيق في خارطة العلوم الشرعية.
  3. بيان وظائفها وحدودها دون إفراط أو تفريط.

إن أي دعوة للمبالغة في دور المقاصد خارج نطاقها التفسيري والتشريعي هي في الحقيقة هدم لهذا العلم. فالمقاصد خادمة للكتاب والسنة ومبينة لهما، وهي أداة لفهم النص من جهة، ومسددة للاجتهاد في تنزيله من جهة أخرى.

خاتمة: المقاصد جمال الشريعة وحصنها

ختاماً، فإن المقاصد ما دخلت في شيء إلا زانته وحفظته، ولا نزعت من شيء إلا شانته وأفسدته. ورغم أن جلّ مباحثها قطعية، إلا أن الاجتهاد المقاصدي قد يعتريه الظن أو الوهم إن لم ينضبط بضوابط الوحي. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الفقه في دينه، والبصيرة في مقاصد شرعه، وأن يجعل أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم، محققة لصالح العباد والبلاد.

الدروس المستفادة:

  • المقاصد علم مستقل يهدف لحماية الضروريات الخمس.
  • الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد.
  • ضرورة الانضباط بالنصوص الشرعية عند إعمال المقاصد.
  • الحذر من توظيف المقاصد لهدم الثوابت الدينية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *