وحدة المعرفة: موازنةٌ بين رسوخ التخصص وسعة الأفق الفكري

وحدة المعرفة: موازنةٌ بين رسوخ التخصص وسعة الأفق الفكري

وحدة المعرفة: موازنةٌ بين رسوخ التخصص وسعة الأفق الفكري

إنّ المتأمل في أحوالِ معارفنا المعاصرة، لَيجدُ بوناً شاسعاً بين حذقِ الآحادِ في جُزئياتهم، وبين غيابِ الرؤيةِ الكلية التي تنظمُ شتاتَ هذه العلوم في سلكِ المعنى؛ ففي مدينةٍ عامرةٍ بالبنائين المهرة، حيث يُتقن كلُّ صانعٍ وضعَ لَبِنتهِ بإحكام، قد لا يقومُ بناءٌ شامخٌ أبداً. ذلك أنّ الإتقانَ في الجزءِ لا يصنعُ وحده كلاًّ مستوياً، ما لم يكن ثَمّ مهندسٌ بصيرٌ يرى الصورةَ كاملةً في علمه قبل أن تُوضع أولُ حجر. وهذه هي معضلةُ وحدة المعرفة والتخصص العلمي في عصرنا: تخصصاتٌ بارعةٌ انغلق كلُّ أهلِ فنٍّ في زاويةٍ منها، وقلّ فينا من يرفعُ رأسه ليسأل: أين المعنى الذي تجتمعُ عنده هذه الزوايا؟

معضلة التشظي: حين يغيب المهندس ويحضر البنّاء

لقد غدا كلُّ علمٍ كأنه بحرٌ مغلق، يُحسنُ أهله السباحة في غمراته، لكنهم يجهلون أنّ ثَمّ محيطاً جامعاً يصلُ تلك البحار ببعضها. لقد برعنا في صناعةِ «المتخصص»، وأهملنا صناعةَ «الجامع»، فأنجبنا جيلاً يعرفُ الكثيرَ عن القليل، وفقدنا الحكيمَ الذي يلمُّ الشتاتَ في مِشكاةِ المعنى.

وأصلُ العلةِ يكمنُ في أنّ العلمَ الحديث كافأ «التحليل» ونسي «التركيب»؛ فالتحليلُ — وهو تفكيكُ الكلِّ إلى أجزائه — مهارةٌ ممدوحة تُنال بها الدرجاتُ والمناصب، أما التركيبُ — وهو إعادةُ جمعِ الأجزاء في سياقٍ كليّ — فعملٌ نادراً ما يُلتفت إليه، حتى ظُنّ تطفلاً أو إنشاءً لا طائل منه. وهكذا تكاثر المشرّحون وندَر المؤلّفون، وصرنا أعجزَ ما نكون عن تأليف الجسد بعد إتقانِ تشريح أعضائه.

التخصص ضرورةٌ لا قيد: نحو رؤية تكاملية

لستُ أرومُ بحديثي هذا ذمَّ التخصصِ في ذاته؛ فهو ضرورةُ العمقِ ومِعراجُ الإتقان، وما تقدّم علمٌ إلا بمن نذر عمره لسبرِ غورِ زاويةٍ واحدة. إنما الداءُ في «التشظي»، حين تنقلب التخصصاتُ إلى جزرٍ معزولةٍ لا يتحاور أهلها، فيصير الخبيرُ عميقاً في إصبعِهِ، أعمى عما وراءها.

وتعظمُ الخطورةُ حين يُشرّعُ للكلِّ من خلالِ الجزء، فيفتي الاقتصاديُّ في الإنسان وكأنه رقمٌ جاف، والتقنيُّ في المجتمع وكأنه آلةٌ صمّاء. إنّ مشكلاتنا الكبرى — من قضايا التنمية والهوية والعمران — هي مشكلاتٌ تكامليةٌ بطبعها، تأبى الانصياعَ لأداةٍ واحدة؛ فإذا قاربناها بعقلٍ مشظّى، قدّمنا حلولاً مبتورةً تشفي عضواً وتُمرض جسداً.

المنهج التراثي: وحدة المعرفة صدىً لوحدة الحق سبحانه وتعالى

لم يكن هذا التشظي حالَ من سلفَ من علماء الأمة؛ فقد كان العالِمُ في تراثنا جامعاً بطبعه، فقيهًا لغويًّا مؤرّخًا، يرى العلومَ يُفضي بعضُها إلى بعض، لأنّ وحدة المعرفة عنده لم تكن إلا صدىً لوحدة الحق سبحانه وتعالى. كان الغزاليُّ والبيرونيُّ وابنُ خلدون أقربَ إلى رتبةِ «المهندس» منهم إلى «البنّاء»، يجمعون ببراعةٍ ما فرّقه غيرُهم.

دروس مستفادة من منهج العلماء الربانيين:

  • الرسوخ العلمي: التمكن في فنٍّ أصيل يكون منطلقاً للفنون الأخرى، كما قال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}.
  • الرؤية الكلية: إدراك أنّ العلوم خادمةٌ لبعضها البعض في سبيل فهم مراد الله عز وجل في خلقه.
  • التكامل المعرفي: استيراد الأدوات العلمية مع الحفاظ على الإطار القيمي والشرعي الذي يجمعها.

شرط الجمع: الرسوخ أولاً ثم الانطلاق

على أنّ لهذا الجمعِ شرطاً لا يصحُّ بدونه، وإلا انقلب مديحُه ذمّاً؛ فالجامعُ الحقُّ هو من رَسخت قدماه في صنعةٍ واحدةٍ يُتقنها عمقاً، ثم رفع بصره إلى ما حولها؛ يأكل من كلِّ بستانٍ، ولا تُنبتُ أرضُه إلا ثمرها الأصيل. أما من يجمعُ بلا رسوخٍ، فمتفلسفٌ يطفو على السطح ويحسبه عمقاً.

إنّ العمقَ هو ما يمنح الجمعَ مصداقيته، والأفقَ هو ما يمنح العمقَ معناه. فلا نمدح الجمعَ لذاته، ولا نُطلق التخصصَ لذاته؛ بل نطلبُ جامعاً متمكناً، ومتخصصاً ذا أفقٍ رحب.

الخاتمة: دعوةٌ إلى عقلٍ جامع

ليست هذه دعوةً إلى حربٍ بين الجزء والكلّ، فالكلُّ ليس عدوَّ الجزء بل هو معناه وغايته. إنها دعوةٌ لردِّ الاعتبار لعقلٍ جامعٍ، أن نعلّم الطالبَ الروابطَ لا الصناديقَ المغلقة، وأن نكافئ من يُؤلّف كما نكافئ من يُحلّل. فبين أيدينا أجزاءٌ كثيرةٌ نُحتت بإتقان، وقليلٌ من يسأل عن البناء الذي تجتمع لأجله. وما أحوجنا اليوم — لا إلى مزيدٍ من الحجارة — بل إلى مهندسٍ بصيرٍ يرى بنور الله ما غاب عن الأبصار. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا علماً نافعاً، ويجمع قلوبنا وعقولنا على الهدى والرشاد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *