فقه بناء الإنسان في القرآن: رحلة الوحي في صياغة الذات الحضارية
تظل أسئلة النهضة والتخلف في الفكر الإسلامي المعاصر جراحاً غائرة في وعي المصلحين، تلح بطلب الجواب: لماذا نأت الأمة عن ركب السيادة؟ وكيف يُستأنف المسير الحضاري؟ وبينما غرق الخطاب الإسلامي طويلاً في تفاصيل "فقه النوازل" و"فقه الدول"، غاب عن بصره -أو غُيب- الركن الركين في كل بناء، وهو "فقه الإنسان". من هذا المنطلق، يأتي كتاب "فقه بناء الإنسان في القرآن" للدكتورة كفاح أبو هنود، ليمثل انعطافة معرفية رصينة في كيفية تلقي النص القرآني؛ فهو لا يقف عند حدود الأحكام الجزئية، بل ينفذ إلى جوهر القرآن بوصفه "منهجاً تكوينياً" وصناعة إلهية لصياغة الإنسان القادر على حمل الأمانة.
من فقه الأحكام إلى فقه التكوين
إن الأطروحة المركزية التي يقدمها الكتاب تقوم على تشخيص دقيق لواقع الأمة؛ فالخلل ليس في نصوص الوحي، بل في "الإنسان المتلقي" الذي انقطعت صلة التفاعل الحي بينه وبين المنهج. تذهب الدكتورة كفاح أبو هنود إلى أن القرآن الكريم لم ينزل ليكون مجرد مدونات تُحفظ، بل ليكون طاقة تغيير تبني الوجدان وتُترجم إلى سلوك.
إن الحضارات في منطق الكتاب لا تُشاد بتراكم العتاد، بل بصناعة "الإنسان" وفق فقه دقيق يعيد ترتيب القيم من الداخل، ويحرر الإرادة من أغلال الهوى والتبعية، ويرسخ المعنى الوجودي قبل التكليف بالفعل.
الدكتورة كفاح أبو هنود: قلمٌ يجمع بين الرصانة والبيان
تعد الدكتورة كفاح أبو هنود، الأكاديمية الأردنية القديرة، نموذجاً للمفكر الذي يمزج بين رصانة البحث العلمي وعذوبة الأسلوب الأدبي. ومن خلال مسيرتها في كلية الشريعة ومؤلفاتها مثل "في صحبة الأسماء الحسنى" و"على خطى إبراهيم"، صاغت رؤية تربوية قرآنية تتجاوز الوعظ التقليدي إلى البناء المنهجي. وقد تجلى ذلك في مبادراتها المجتمعية مثل برنامج "مشكاة"، الذي يسعى لتحويل القيم القرآنية إلى واقع معاش.
آليات الصياغة القرآنية للإنسان الأول
يحلل الكتاب كيف استطاعت كلمات يسيرة في السور المكية أن تولد طاقة غيرت وجه التاريخ، وذلك عبر آليات دقيقة شملت:
- أولوية البناء العقدي: لم يبدأ الوحي بتفاصيل المعاملات، بل بدأ بترسيخ العقيدة التي تحرر الإنسان من الخوف والطمع، وتضع الله سبحانه وتعالى مقصداً وغاية.
- الخطاب الشمولي للإنسان: يخاطب القرآن الكيان البشري ككل؛ فلا فصل بين العقل والقلب، ولا بين الإيمان والعمل. إن الوحي يوقد شعلة الوجدان لتكون هي الدافع الذاتي للسلوك القويم.
- الكلمات المكثفة وشحنات الطاقة: يتوقف الكتاب عند السور القصيرة، موضحاً أنها لم تكن مجرد معلومات، بل "شحنات طاقة" تكررت حتى استقرت في اللاشعور الجمعي للرعيل الأول، فصار القرآن يمشي على الأرض.
لبنات التأسيس: من القراءة إلى الإنذار
يتتبع الكتاب اللبنات الأولى في بناء الشخصية الإسلامية، بدءاً من قوله سبحانه وتعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1)، مروراً بـ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، وصولاً إلى التكليف الصريح في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (المدثر: 1-5). هذه الآيات، رغم إيجازها، رسمت خارطة طريق كاملة تبدأ بالتزكية النفسية وتنتهي بالشهود الحضاري.
وتستعرض المؤلفة قوله تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَىٰ﴾ (الأعلى: 8)، لتؤكد أن منهج الإسلام هو منهج اليسر والجمال، الذي يرسم لوحة الحياة بأبهى ألوانها، بعيداً عن غلو التشدد أو جفاء التحلل.
نحو أداء سلوكي لا صوتي فحسب
تضع المؤلفة يدها على الجرح الغائر حين تؤكد أن الأمة اليوم قد أتقنت "الأداء الصوتي" للقرآن وترتيله، لكنها أخفقت في "الأداء السلوكي" وتشكيل الواقع به. إن الكتاب دعوة لاستعادة القرآن كمنهج حياة، مستشهداً بقسم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (العصر: 1-2)، للتنبيه على قيمة الزمن وضرورة استثمار العمر في تجربة إيمانية فريدة.
الفئات المستهدفة من الكتاب:
- المربون والدعاة: لاستنباط مناهج التغيير النفسي والتربوي.
- طلبة العلم والمفكرون: لتعميق الفهم حول فلسفة الإنسان في الإسلام.
- كل باحث عن النهضة: لإدراك أن بناء الأمة يبدأ حتماً من بناء الفرد.
الخاتمة:
إن كتاب "فقه بناء الإنسان في القرآن" هو نداء لاستئناف العلاقة مع الوحي، ليس ككتاب مقدس يُتلى للتبرك فحسب، بل كمنهاج حياة يصهر النفس ويصيغ العقل. إن الكلمات التي هزت أركان الجاهلية قبل أربعة عشر قرناً لا تزال تحمل ذات الشحنة التغييرية، شريطة أن تجد قلباً يعي عن ربه، وعزماً يترجم الآيات إلى حياة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ومنهاج حياتنا، وقائدنا إلى رضوانه وجنانه.



اترك تعليقاً