بنيامين نتنياهو في مهب الريح: حين تتداعى حصون “الساحر” السياسية

بنيامين نتنياهو في مهب الريح: حين تتداعى حصون “الساحر” السياسية

مقدمة: العاصفة الكاملة في أروقة القدس

هل اقتربت لحظة النهاية لـ "الساحر" الذي طالما روّض الأزمات؟ يجد بنيامين نتنياهو نفسه اليوم عالقاً في قلب عاصفة سياسية مكتملة الأركان، حيث تتشابك خيوط الداخل المتمرد مع ضغوط الخارج المتقلب. إنها لحظة فارقة تتجاوز المناورات المعتادة، لتمس جوهر بقائه السياسي وقدرته على الإمساك بزمام ائتلاف يتداعى تحت وطأة المطالب الفئوية والتحولات الدستورية.

أزمة "المراقب" والحريديم: مقايضة البقاء بالولاء

تعد أزمة تعيين المحامي "مايكل رابيلو" مراقباً للدولة حجر الزاوية في الصراع الدستوري الراهن. لم يعد الأمر مجرد خلاف إجرائي، بل تحول إلى اختبار قوة بين الكنيست والمحكمة العليا، خاصة بعد رفض رئيس الكنيست "أمير أوحانا" مقترح إعادة التصويت، معلناً بلهجة حاسمة أن "الكنيست قال كلمته".

وفي هذا السياق، تبرز معضلة الحريديم كقنبلة موقوتة في حضن الائتلاف:

  • قانون الحضانات ودراسة التوراة: يصر "موشيه غافني" على تمرير هذه القوانين كشرط لاستمرار الدعم.
  • التعويض السياسي: يدرك الحريديم حاجة نتنياهو الماسة لأصواتهم، لذا يرفضون تقديم الدعم "مجاناً"، مطالبين بامتيازات فئوية تعوض فشل قانون الإعفاء العسكري.
  • المواعيد الحاسمة: تترقب الأوساط السياسية جلسة المحكمة العليا في 28 يونيو/حزيران، بينما يسابق الائتلاف الزمن لإنهاء دورة الكنيست الصيفية في 17 يوليو/تموز.

تصدع البيت الداخلي: تمرد الليكود ومعضلة "التمهيدية"

بينما يواجه نتنياهو الضغوط الخارجية، ينفجر بيت "الليكود" من الداخل. يمثل الالتماس العاجل الذي قدمه "ديفيد بيتان" لمنع إلغاء الانتخابات التمهيدية صرخة احتجاج ضد ما وصفه بـ "الاختطاف الدستوري".

يرى بيتان أن إلغاء الديمقراطية الداخلية سيحول الحزب إلى كيان هامشي، متوقعاً اندثار الليكود في غضون 8 سنوات إذا استمر هذا النهج. هذا التمرد التنظيمي يتوازى مع انشقاق سياسي صامت، حيث بدأ نواب مثل "دان إيلوز" و"موشيه سولومون" في البحث عن بدائل أخلاقية بعيداً عن تحالفات "بيع الضمير" التي تشرعن التهرب من التجنيد في ذروة الحرب.

رياح واشنطن الباردة: حين يرفع "ترمب" الغطاء

جاءت الضربة الأكثر إيلاماً من وراء البحار، وتحديداً من الحليف القديم دونالد ترمب. لم يعد دعم ترمب لـ بنيامين نتنياهو شيكاً على بياض، بل أصبح ورقة مشروطة بمدى التزام إسرائيل بالرؤية الأمريكية الإقليمية.

لقد نزع ترمب عن نتنياهو صفة "الحليف الأوحد"، ملمحاً إلى وجود بدائل قادرة على قيادة المرحلة القادمة، وهو ما اعتبره قياديون في الليكود ضرراً مباشراً لمكانة الحزب والدولة على حد سواء. إن تحول ترمب من رصيد انتخابي إلى عامل إرباك يعكس عمق العزلة التي بدأ يشعر بها نتنياهو دولياً.

لغة الأرقام: زلزال سياسي في الأفق

ترسم استطلاعات الرأي الأخيرة ملامح خارطة سياسية جديدة كلياً، حيث يبدو أن الناخب الإسرائيلي يبحث عن "الاستقرار الأخلاقي" قبل السياسي:

  • صعود غادي آيزنكوت: منح استطلاع قناة "كان 11" حزب آيزنكوت (غير القائم رسمياً بعد) 21 مقعداً.
  • تراجع القوى التقليدية: تراجعت قائمة "بينيت-لابيد" إلى 17 مقعداً، مما يشير إلى رغبة في وجوه قيادية جديدة.
  • الجدول الزمني: يبرز تاريخ 20 أكتوبر/تشرين الأول كموعد محتمل للانتخابات، ليكون لحظة الحقيقة الكبرى.

خاتمة: ما بعد سحر المناورة

إن الأزمة التي يعيشها بنيامين نتنياهو اليوم ليست مجرد عثرة في طريق طويل، بل هي مواجهة مع الحقيقة التي حاول تأجيلها طويلاً. حين يتحد تمرد الحزب، مع ابتزاز الحلفاء، وجفاء الأصدقاء الدوليين، تصبح المناورة السياسية أشبه بمحاولة حبس الريح في راحة اليد. إن التاريخ السياسي يخبرنا أن القلاع لا تسقط دائماً بضربات المنجنيق الخارجية، بل غالباً ما تتداعى من تصدعات أساساتها الداخلية، ويبدو أن أساسات "مملكة نتنياهو" باتت اليوم تحت مجهر الاختبار الأخير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *