فقه النوازل في نفقة المحضون: رؤية مقاصدية بين ثبات الشريعة ومتغيرات العصر

فقه النوازل في نفقة المحضون: رؤية مقاصدية بين ثبات الشريعة ومتغيرات العصر

استهلال: في كنف الشريعة ورعاية الأسرة

إنَّ الأسرةَ في ميزانِ الإسلامِ هي اللبنةُ الأولى في صرحِ الأمةِ الأشم، وحصنُها الحصين الذي يُخرّجُ للأمةِ جيلَها الواعد. ومن هنا، كانت قضايا الأسرةِ مَيْداناً فسيحاً للنوازلِ التي تتجددُ بتجددِ أحوالِ العبادِ وتغيّرِ الأزمان، لا سيما تلك التي تمسُّ حقوقَ الناشئةِ في خضمِّ النزاعاتِ الأسرية. وإنَّ من آكدِ هذه الحقوقِ وأكثرِها إلحاحاً هي نفقة المحضون، تلك القضيةُ التي لا تقتصرُ آثارُها على الزوجين، بل تمتدُّ لتشملَ مستقبلَ الأبناءِ وحقَّهم في حياةٍ كريمةٍ مستقرة.

لقد أرسى فقهاؤنا الأوائلُ قواعدَ متينةً للنفقةِ، بيدَ أنَّ تنزيلَ تلك الأحكامِ على واقعِنا المعاصرِ، بما فيه من تحولاتٍ اقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، يستدعي وقفةً فقهيةً مقاصديةً تجلي الغموضَ وتكشفُ عن مرونةِ الشريعةِ وقدرتِها على استيعابِ مستجداتِ العصر.

أمدُ استحقاقِ النفقةِ: مرافئُ الفقهاءِ واختلافُ الأنظارِ

لقد أجمعَ أهلُ العلمِ قاطبةً على وجوبِ نفقةِ الأولادِ على والدهم في الجملةِ، لكنَّ أنظارَهم تفاوتت في تحديدِ المدى الزمنيِّ لهذا الوجوبِ، وذلك على النحوِ الآتي:

  • الحنفية: قرروا وجوبَ النفقةِ على الولدِ الذكرِ حتى يغدوَ قادراً على الكسبِ وإن لم يبلغ، أما الأنثى فتبقى نفقتُها واجبةً حتى تزفَّ إلى زوجِها.
  • المالكية: ذهبوا إلى أنَّ النفقةَ تستمرُّ للصغارِ حتى يحتلمَ الذكرُ وتتزوجَ الأنثى.
  • الشافعية: ساووا بين الذكرِ والأنثى في الغايةِ، فأوجبوا النفقةَ حتى البلوغِ، واشترطَ الإمامُ الجوينيُّ في البالغِ ألا يكونَ كسوباً بقوله: "وأمَّا البالغ فيُشترط في استحقاقه النَّفقةَ ألَّا يكون كَسوبًا".
  • الحنابلة والظاهرية: وافقوا الشافعيةَ في عدمِ التفريقِ، بيدَ أنهم ربطوا استدامةَ النفقةِ باستدامةِ الحاجةِ؛ فمتى كان الولدُ فقيراً عاجزاً عن الكسبِ وجبت نفقتُه على أبيه، صغيراً كان أم بالغاً.

أحوالُ المنفَقِ عليهِ وتغيرُ الفتوى بتغيرِ الزمان

إنَّ المتأملَ في واقعِنا المعاصرِ يرى أنَّ القولَ الثالثَ هو الأقربُ لمقاصدِ الشريعةِ ولواقعِ الحال؛ إذ إنَّ طالبَ العلمِ اليومَ يظلُّ في كفالةِ أبيه ورعايتِه حتى يفرغَ من تحصيلِه الجامعيِّ، فهو وإن كان قادراً على الكسبِ بدنياً، إلا أنه مشغولٌ بطلبِ العلمِ الذي هو فرضُ كفايةٍ أو عينٍ بحسبِ حالِه، فأشبهَ طالبَ العلمِ في زمانِ الفقهاءِ السابقين الذين قالوا باستدامةِ نفقتِهم ما داموا متفرغين للعلمِ.

أما الأنثى، فإنَّ مسؤوليةَ الوالدِ تجاهها تقتضي صيانتَها والحفاظَ عليها، والنفقةُ هنا بابٌ من أبوابِ صلةِ الرحمِ والإحسانِ، فلا تُتركُ لمهبِّ الريحِ أو لعملٍ لا يليقُ بكرامتِها ما دامت محتاجةً، ولو كانت متزوجةً وزوجُها مُعدمٌ، فإنَّ على أبيها الموسرِ نفقتَها.

مشمولاتُ النفقةِ: من الضرورياتِ الثلاثِ إلى مستلزماتِ العصر

لقد حصرَ الفقهاءُ قديماً النفقةَ في: المأكلِ، والملبسِ، والمسكنِ، إضافةً إلى الخادمِ لمن كان من أهلِ الرفاهِ. ولكنَّ عرفَ اليومِ جعلَ من "الحاجياتِ" "ضروراتٍ" لا يستقيمُ العيشُ بدونِها، ومن ذلك:

  1. الطبابةُ والرعايةُ الصحيةُ: لم يعدِ الأمرُ مقتصراً على أعشابٍ وطبٍّ شعبيٍّ، بل غدتِ اللقاحاتُ، والمشافي، ومتابعةُ النموِّ، ورعايةُ ذوي الاحتياجاتِ الخاصةِ من صلبِ النفقةِ الواجبةِ.
  2. التعليمُ ونظامُه الحديثُ: إنَّ تكاليفَ المدارسِ، والمستلزماتِ التقنيةِ من حاسبٍ وإنترنت، والمواصلاتِ، هي من آكدِ الحقوقِ التي يجبُ على الأبِ الوفاءُ بها.
  3. المسكنُ ومستجداتُه: لم يعدِ المسكنُ مجردَ سقفٍ، بل صارَ الاستقلالُ بالمسكنِ وتوفرُ الخدماتِ من كهرباءَ وماءٍ وهاتفٍ من ضروراتِ العصرِ التي يُراعى فيها حالُ الأبِ يسراً وعسراً.
  4. التقنيةُ والاتصالُ: أضحى الهاتفُ المحمولُ ووسائلُ التعليمِ الإلكترونيِّ من المستجداتِ الملحّةِ التي لا ينبغي للقاضي إغفالُها عند تقديرِ الكفايةِ.

القواعدُ الحاكمةُ والعملُ القضائيُّ

يرتكزُ معيارُ تقديرِ النفقةِ على ثلاثِ قواعدَ فقهيةٍ ذهبيةٍ:

  • "العادةُ محكَّمةٌ".
  • "لا ضررَ ولا ضرارَ".
  • "النفقةُ بقدرِ الاستطاعةِ".

وقد استلهمت قوانينُ الأحوالِ الشخصيةِ في الدولِ العربيةِ (كالسعوديةِ، ومصرَ، وسوريا، والإماراتِ، وقطرَ، والمغربِ) هذه المعاني، فأوجبتِ النفقةَ حتى بلوغِ سنِّ الرشدِ أو إتمامِ التعليمِ، وجعلت نفقةَ البنتِ مستمرةً حتى تتزوجَ أو تكتسبَ.

وفي أروقةِ المحاكمِ السعوديةِ، نجدُ تطبيقاتٍ حيةً تراعي هذه المتغيرات، حيثُ يُلزمُ القضاءُ الأبَ بتوفيرِ سكنٍ مستقلٍ للمحضونين مع حاضنتِهم، ويُقدّرُ الخبراءُ مبالغَ النفقةِ بناءً على دخلِ الأبِ ومستوى الأسعارِ، محققين بذلك التوازنَ بين حقِّ الطفلِ في الكفايةِ وحقِّ الأبِ في عدمِ الإرهاقِ.

خاتمةٌ ودعاء

إنَّ فقهَ نفقةِ المحضونِ هو تجسيدٌ لرحمةِ الإسلامِ وعنايتِه بالضعفاءِ، وهو دعوةٌ للآباءِ أن يتقوا اللهَ في فلذاتِ أكبادِهم، وألا يجعلوا من الخصومةِ مع الأمهاتِ ذريعةً لتضييعِ حقوقِ الأبناءِ. فما يُتسامحُ فيه وقتَ الوفاقِ، يجبُ أن يُؤدى بدقةٍ وقتَ الفراقِ، إبراءً للذمةِ وصيانةً للجيل.

اللهمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين، واجعلِ المودةَ والرحمةَ شعارَ بيوتِهم، ووفقْ ولاةَ أمورِنا وقضاتَنا لما فيه خيرُ العبادِ والبلادِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *