الطباعة العربية في روسيا وبلاد ما وراء النهر: ملحمة الصمود وملاذ الهوية

الطباعة العربية في روسيا وبلاد ما وراء النهر: ملحمة الصمود وملاذ الهوية

مقدمة: الكلمة كدرعٍ وحصن

إنَّ تاريخ الطباعة العربية في روسيا وبلاد ما وراء النهر لم يكن مجرد سردٍ لآلاتٍ تدار بالمداد، بل كان فصلاً من فصول الجهاد الفكري، وملحمةً سطرها المسلمون الذين رُزِئوا بسطوة الإمبراطورية الروسية. لقد اتخذت الشعوب المسلمة من الكتاب وسيلةً حيويةً للذود عن حياض الدين، وصيانة الموروث الثقافي، وإثبات الهوية الوطنية أمام محاولات الطمس والاحتواء. فاستحال تقديس الكتاب لديهم عقيدةً راسخةً ومقاومةً ثقافيةً ولدت من رحم المظالم والاضطهاد.

بواكير الطباعة: من أداة حرب إلى منارة هداية

لم تكن البدايات الأولى للطباعة العربية في تلك الديار نابعةً من رغبةٍ في نشر العلم، بل كانت أداةً سياسيةً وعسكريةً في يد القياصرة. فقد شهد عام 1711م صدور أول منشور بالعربية بأمر من القيصر بطرس الأول لتبرير حملته ضد الدولة العثمانية، ثم تلا ذلك استخدام مطبعة متنقلة في حملته ضد إيران عام 1722م.

بيد أنَّ هذه الآلات التي أُريد لها أن تكون أبواقاً للسلطة، سرعان ما تحولت بفضل الله سبحانه وتعالى ثم بجهود المخلصين إلى وسيلةٍ لحفظ الوحي. وفي عام 1787م، أذنت الإمبراطورة كاترين الثانية بطباعة أول مصحف شريف كامل في روسيا، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من تاريخ الثقافة الإسلامية في تلك الأصقاع.

قازان: عاصمة المصحف الشريف

انتقل مركز الثقل في الطباعة العربية في روسيا من سانت بطرسبرغ إلى مدينة قازان، التي غدت العاصمة غير المتوجة للطباعة الإسلامية لأكثر من قرن. ومن أبرز ملامح هذه المرحلة:

  • مطبعة قازان الجامعية: التي عُرفت بأسماء شتى كالمطبعة التتارية والآسيوية، وخرج منها أكثر من مليون نسخة من الكتب العربية.
  • مصحف قازان: الذي طار ذكره في الآفاق، حيث طُبع المصحف كاملاً 51 مرة، وأجزاؤه 110 مرات، ليروي ظمأ المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
  • الجهود الفردية: برز اسم "أبو الغازي بوراشيف" الذي ناضل للحصول على إذن بإنشاء مطبعة إسلامية وطنية، حتى تحقق له ذلك عام 1800م.

المقاومة بالكلمة في وجه التبشير

لقد استعمل المسلمون هذه النصوص كترسٍ واقٍ لحماية عاداتهم وتقاليدهم ضد الهجمات الشرسة التي شنتها الكنيسة الأرثوذكسية ومسؤولو الدولة. وبالرغم من أنَّ الروس النصارى هم من امتلكوا المطابع في كثير من الأحيان بدافع الربح التجاري، إلا أنَّ المسلمين كانوا هم المحرك الحقيقي لهذه النهضة؛ فمن أموالهم نُشرت الكتب، وبأيديهم أُديرت الدفة، ولأجلهم سهر العمال.

لقد كانت الطباعة الإسلامية تتم تحت رقابةٍ صارمةٍ ومتحيزة، وفي بيئةٍ تعج بالنشاط التبشيري الذي سعى لفرض التعميد القسري، ولكن صدق النوايا جعل الكتب الإسلامية هي الأكثر انتشاراً والأبقى أثراً، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ".

جغرافيا المطابع وتوزيعها التاريخي

توزعت مراكز الإشعاع العلمي والطباعي لتشمل أقاليم واسعة، مما ساهم في ترسيخ العلوم الشرعية واللغوية:

  1. إقليم قازان: وضم مطبعة الجامعة والمطابع الخاصة مثل مطبعة (كريموف) و(إسحاقوف).
  2. إقليم القوقاز: وبرزت فيه مطابع (باكو) و(تيفليس) و(تمير خان شورا).
  3. إقليم تركستان (آسيا الوسطى): وشمل مطابع (طشقند) و(سمرقند) و(خوقند).
  4. المدن الكبرى: مثل (أورنبرغ) و(أوفا) و(ترويتسك).

واللافت للنظر أنَّ هذه النهضة قامت على أكتاف المحسنين الذين بذلوا أموالهم "حسبةً لله" عز وجل، وشاركت النساء بفعالية في تمويل هذه المشروعات العظيمة.

وفاءٌ لأهل الفضل: الدكتور أنس خالدوف

لا يسعنا ذكر هذا التاريخ دون الإشادة بجهود العلامة المحقق الدكتور أنس خالدوف (1929-2001م)، ابن تاتارستان البار، الذي أفنى عمره في توثيق هذا التراث. لقد قدم للعالم الإسلامي مرجعاً بيبليوغرافياً فذاً بعنوان "دليل المطبوعات العربية في روسيا من عام 1787 إلى 1917م"، كاشفاً عن كنوزٍ كانت طي النسيان في مكتبات سانت بطرسبرغ، ومطبقاً أدق المعايير العلمية في الفهرسة والتحقيق.

خاتمة: بقاء الأثر

إنَّ قصة الطباعة العربية في روسيا هي برهانٌ ساطع على أنَّ العقيدة حين تتمازج بالوعي، تخلق من الضعف قوة، ومن الحصار امتداداً. لقد ظلت تلك الكتب، وفي مقدمتها القرآن الكريم، حبل الله المتين الذي اعتصم به مسلمو تلك البلاد، فحافظوا على دينهم ولغتهم رغم عواتي الزمن. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي أولئك الرواد خير الجزاء، وأن يجعل علومهم صدقةً جاريةً تنير الدرب للأجيال القادمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *