إسلام أون لاين: ملحمة الفكر الرقمي وشهادة التاريخ على الريادة القطرية
في غمرة التحولات التقنية التي شهدها أواخر القرن العشرين، وبينما كان العالم العربي يتحسس خطاه الأولى في الفضاء السيبراني، انبثقت رؤية استشرافية أدركت أن معركة الوعي القادمة ستدور رحاها خلف الشاشات. لم يكن تأسيس موقع إسلام أون لاين مجرد استجابة لرفاهية تقنية، بل كان ضرورة شرعية وحضارية أملتها طبيعة العصر، ليكون منبراً يبث قيم الإسلام الوسطي في أصقاع الأرض، في وقت تداعت فيه الأمم على قصعتها الرقمية.
تأتي شهادة الدكتور حامد بن عبد العزيز المرواني لتميط اللثام عن كواليس هذا المشروع العظيم، كاشفةً عن تلاحم فريد بين بصيرة العلماء وعزيمة القادة، حيث تجلت في هذا المشروع معالم "فقه الاستخلاف" في أبهى صوره.
نبوءة القرضاوي: الفقه في مواجهة تحديات العصر
تعود إرهاصات الحكاية إلى عام 1997م، حين كانت دولة قطر تخطو بثبات كواحدة من أوائل الدول العربية التي ولجت عالم الإنترنت. وفي أروقة جامعة قطر، ولدت فكرة تأسيس بوابة إلكترونية كبرى تليق بعظمة الإسلام. وعندما عُرضت الفكرة على فضيلة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي -رحمه الله-، لم يحتج سوى لدقائق معدودات ليستوعب جوهر التقنية، فأطلق مقولته التي سطرها التاريخ بمداد من نور:
“هذا مشروع الأمة في القرن الحادي والعشرين.. هذا المشروع يغنى عن جهود الجيوش وهو جهاد العصر بحق. فبهذا المشروع لن يبقى بيت مدر ولا وبر إلا ويدخل الله فيه هذا الدين”.
لقد أدرك الشيخ -رحمه الله- بفكره الثاقب أن الدعوة إلى الله (عز وجل) يجب أن تتخذ من أدوات العصر وسيلة، امتثالاً لقوله (سبحانه وتعالى): {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}، فكانت القوة الرقمية هي خيار المرحلة.
الرؤية الاستراتيجية للأمير الوالد: تحطيم قيود البيروقراطية
لم يتوقف طموح القائمين على المشروع عند حدود الأكاديمية، بل سعوا لجعله مشروعاً عالمياً عابراً للقارات. وهنا برز الدور المحوري لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني -رحمه الله-، الذي استقبل الشيخ القرضاوي والدكتور المرواني، وبحسه الإداري المرهف شخّص الداء قبل الدواء.
أدرك الأمير الوالد أن التبعية للمؤسسات الحكومية قد تكبل طموح المشروع وتحد من تدفق الدعم الشعبي والعالمي له، فأمر بضرورة خروجه من عباءة الجامعة ليصبح مؤسسة أهلية مستقلة. وعندما اصطدمت هذه الرغبة بعقبات البيروقراطية وتعقيدات التراخيص، تجلت الإرادة السياسية الصادقة في خدمة الدين؛ إذ لم تمضِ أربع وعشرون ساعة على إبلاغه بتعثر الإجراءات حتى صدرت التوجيهات العليا بإنهاء كافة المعاملات، وتأسست "جمعية البلاغ الثقافية" لتكون الحاضن الشرعي والقانوني لمنصة إسلام أون لاين.
محطات فارقة في مسيرة التأسيس
- الرعاية الكريمة: حظي المشروع بمتابعة حثيثة من سمو الشيخة موزا بنت ناصر، التي دعمت انطلاقته الأولى من خلال فعاليات جامعة قطر.
- الاستقلال التنظيمي: تحويل المشروع إلى جمعية أهلية منح المنصة مرونة فائقة في الإدارة والتمويل.
- الدعم اللوجستي: صدور قرار أميري بانتداب فريق العمل تفرغاً كاملاً، مما ضمن استمرارية العطاء دون انقطاع.
- العالمية: تحول الموقع إلى مرجع عالمي ينهل منه الملايين، محققاً نبوءة الشيخ القرضاوي في الوصول إلى كل بيت.
الخاتمة: أثر يبقى وأجر يتجدد
إن قصة إسلام أون لاين ليست مجرد سرد لتأسيس موقع إلكتروني، بل هي درس في كيفية تسخير الإمكانات السياسية والمادية لخدمة العقيدة والشريعة. لقد كان الأمير الوالد -رحمه الله- والشيخ القرضاوي -رحمه الله- يدركان أن البقاء في الفضاء الرقمي هو نوع من الرباط في سبيل الله.
نسأل الله (عز وجل) أن يجزي الأمير الوالد خير الجزاء على ما قدم، وأن يتقبل من العلامة القرضاوي جهاده الفكري، وأن يجعل هذا العمل في موازين حسنات كل من ساهم بفكره أو جهده في رفع راية الإسلام في العالمين. فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.



اترك تعليقاً