هل يتصور عقل أن يضيق فضاء الأرض الواسع بجسد غادرته الروح؟
في قطاع غزة، لم يعد البحث عن النجاة هو التحدي الوحيد الذي يواجه الأحياء، بل أضحت أزمة دفن الشهداء في غزة فصلاً جديداً من فصول التغريبة الفلسطينية المعاصرة. إنها المفارقة الموجعة؛ حيث يطارد الحصار الإنسان في حياته، ويلاحقه حتى في لحظة سكونه الأبدي، لتتحول المقابر من سكينة مرجوة إلى أمنية صعبة المنال.
القبور الجماعية: حين يتقاسم الراحلون اللحد
فرض الواقع القاسي على الأهالي خيارات تدمي القلوب، فلم تعد الخصوصية حقاً مكفولاً حتى في الموت. نلخص مظاهر هذه الأزمة في النقاط التالية:
- الدفن المتعدد: اضطرار العائلات لدفن أكثر من شهيد في القبر الواحد، في صورة تجسد التحام الأجساد حتى في باطن الأرض.
- المقابر الطارئة: تحول الساحات العامة، وباحات المستشفيات، وحتى المساحات الضيقة داخل خيام النازحين إلى مدافن مؤقتة.
- العشوائية القسرية: غياب التخطيط العمراني للمقابر نتيجة القصف المستمر، مما جعل كل بقعة تراب مشروع قبر محتمل.
شح الموارد: صراع مع الإسمنت والحجر
ليست الأرض وحدها هي التي تضيق، بل إن أدوات التكريم غابت بفعل الحصار المطبق. إن انعدام مواد البناء الأساسية كالإسمنت والحجارة ليس مجرد نقص في السلع، بل هو عجز مادي يمنع بناء القبور وتجهيزها بما يليق بكرامة الإنسان.
لقد أدى هذا الشح الحاد إلى ارتفاع باهظ في تكاليف التجهيز، مما أثقل كاهل العائلات المكلومة التي فقدت مدخراتها وبيوتها، لتجد نفسها عاجزة عن سداد مصاريف «المستقر الأخير». الإسمنت هنا يمثل «درع الوداع»، وبدونه يظل الجسد عرضة لعوامل الطبيعة وقسوة الركام.
الجهود الرسمية: محاولات في قلب الركام
وفي خضم هذه المعاناة، تبرز محاولات المؤسسات المحلية للتخفيف من حدة المصاب. يوضح المهندس أيمن دويك، رئيس بلدية البريج وسط قطاع غزة، أن البلدية تسابق الزمن للتعامل مع هذا التحدي عبر مسارين:
- الأراضي المتبرع بها: الاعتماد على قطع الأراضي التي يجود بها المواطنون لإقامة مقابر جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة.
- فرق الإنقاذ والاستخراج: العمل الدؤوب بالتعاون مع الدفاع المدني لانتشال الجثامين من تحت أنقاض المباني المدمرة، في عملية أشبه بالبحث عن لآلئ مفقودة وسط بحر من الركام.
الخاتمة: حكمة التراب
إن أزمة دفن الشهداء في غزة ليست مجرد مشكلة لوجستية أو نقصاً في المساحات، بل هي صرخة إنسانية في وجه عالم يراقب كيف يضيق اللحد بمن ضاقت بهم سبل الحياة. ستظل غزة تبرهن أن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في العيش بحرية، ولا تنتهي إلا بحقه في نومة هادئة تحت ثرى وطنه، وبينما يكتب الأحياء تاريخهم بالدم، يكتب الشهداء بخلودهم أن الأرض التي احتضنتهم في ضعفهم، هي ذاتها التي ستنبت النصر في غدهم.



اترك تعليقاً