مرافئ الطمأنينة: قراءة تحليلية في كتاب "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة" للشيخ السعدي
إنَّ تَوْقَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ إلى السَّكِينَةِ مَطْلَبٌ أَصِيلٌ، ومَقْصَدٌ جَلِيلٌ، لا يَزَالُ الحُكَمَاءُ يَنْشُدُونَهُ، والعُقَلَاءُ يَرُومُونَهُ. وفي هذا المِضْمَارِ، تَبْرُزُ رِسَالَةٌ لَطِيفَةُ المَبْنَى، عَمِيقَةُ المَعْنَى، خَطَّتْهَا يَمِينُ العَلَّامَةِ الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله تعالى- (المتوفى سنة 1376هـ)، والمَوْسُومَةُ بـ "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة". تَقَعُ هذه الدِّرَارَةُ في (35) صَفْحَةً، صَدَرَتْ عَنِ الجَامِعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ عَامَ 1407هـ، بِتَقْدِيمٍ وافٍ مِنَ الشيخ عبد الرزاق العباد، لِتَكُونَ دَلِيلًا إِيمَانِيًّا يَهْدِي الحَيَارَى إلى مَعَالِمِ الرِّضَا.
مِعْرَاجُ السَّعَادَةِ: الإِيمَانُ والعَمَلُ الصَّالِحُ
يَسْتَفْتِحُ الشيخ السعدي -رحمه الله- رِسَالَتَهُ بِتَأْصِيلٍ مَتِينٍ، مُبَيِّنًا أَنَّ رَاحَةَ القَلْبِ وانْقِشَاعَ سُحُبِ الهُمُومِ تَرْتَكِزُ عَلَى أَسْبَابٍ دِينِيَّةٍ، وطَبِيعِيَّةٍ، وعَمَلِيَّةٍ، لا يَبْلُغُ تَمَامَهَا إلَّا أَهْلُ الإِيمَانِ، بَيْنَمَا يَتَحَصَّلُ غَيْرُهُمْ عَلَى نَزْرٍ يَسِيرٍ مِنْهَا بِحَسَبِ حَالِهِمْ.
وفي فَصْلِهِ الأَوَّلِ، يُقَرِّرُ أَنَّ ذِرْوَةَ سَنَامِ السَّعَادَةِ هي الجَمْعُ بَيْنَ الإِيمَانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ؛ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ سبحانه وتعالى الطَّيِّبَ مِنَ العَيْشِ مَرْهُونًا بِهِمَا، حَيْثُ قَالَ عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97].
- الشُّكْرُ عِنْدَ النَّعْمَاءِ: يُورِثُ السَّعَادَةَ ويَحْفَظُ المَوْجُودَ.
- الصَّبْرُ عِنْدَ الضَّرَّاءِ: يُخَفِّفُ الوَطْأَةَ ويُعْظِمُ الأَجْرَ.
- الإِحْسَانُ إلى الخَلْقِ: تِلْكَ القَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ التي تُزِيلُ الغَمَّ؛ فالمُؤْمِنُ المُحْتَسِبُ يُؤْتِيهِ اللهُ أَجْرًا عَظِيمًا، ومِنْ أَثَرِ ذَلِكَ زَوَالُ الأَكْدَارِ.
دَفْعُ القَلَقِ بِالاشْتِغَالِ النَّافِعِ وحُضُورِ الذِّهْنِ
يَنْتَقِلُ الشيخ في الفَصْلِ الثَّانِي إلى عِلَاجٍ نَفْسِيٍّ عَمَلِيٍّ، وهو مُدَافَعَةُ القَلَقِ النَّاشِئِ عَنْ تَوَتُّرِ الأَعْصَابِ بِالاشْتِغَالِ بِعَمَلٍ مُثْمِرٍ أَوْ عِلْمٍ نَافِعٍ؛ لِيَصْرِفَ القَلْبَ عَمَّا يُؤْرِقُهُ. ومِنْ أَنْفَعِ الوَسَائِلِ أَيْضًا:
- حَصْرُ الفِكْرِ في اليَوْمِ الحَاضِرِ: وقَطْعُهُ عَنِ التَّحَسُّرِ عَلَى المَاضِي أَوِ التَّوَجُّسِ مِنَ المُسْتَقْبَلِ، ولِهَذَا كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم يَسْتَعِيذُ مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ.
- الاسْتِعَانَةُ بِاللهِ ونَبْذُ العَجْزِ: كَمَا جَاءَ في وَصِيَّتِهِ صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان".
ذِكْرُ اللهِ والتَّحَدُّثُ بِنِعَمِهِ: بَلْسَمُ الصُّدُورِ
يُؤَكِّدُ الشيخ السعدي في الفَصْلِ الثَّالِثِ أَنَّ الإِكْثَارَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ هو التِّرْيَاقُ الأَعْظَمُ لِضِيقِ الصَّدْرِ، مِصْدَاقًا لِقَوْلِهِ تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. كَمَا يَدْعُو إلى رُؤْيَةِ النِّعَمِ واسْتِشْعَارِهَا، مُسْتَرْشِدًا بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم".
التَّعَامُلُ مَعَ المَكَارِهِ وتَوْطِينُ النَّفْسِ
وفي الفُصُولِ الرَّابِعِ والخَامِسِ والسَّادِسِ، يَرْسُمُ الشيخ مَنْهَجًا لِإِدَارَةِ الأَزَمَاتِ النَّفْسِيَّةِ:
- نِسْيَانُ المَاضِي المَكْرُوهِ: فَالانْشِغَالُ بِهِ عَبَثٌ مَحْضٌ.
- التَّفْوِيضُ في المُسْتَقْبَلِ: اليَقِينُ بِأَنَّ الغَيْبَ بِيَدِ اللهِ يُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ، مَعَ اللُّجُوءِ إلى الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر".
- تَوْطِينُ النَّفْسِ: تَقْدِيرُ أَسْوَأِ الِاحْتِمَالَاتِ ومُدَافَعَتُهَا بِالمَقْدُورِ يُهَوِّنُ الخَطْبَ.
- قُوَّةُ القَلْبِ: عَدَمُ الِاسْتِسْلَامِ لِلأَوْهَامِ والخَيَالَاتِ الفَاسِدَةِ التي مَلأَتِ المُسْتَشْفَيَاتِ بِالمَرْضَى.
الحَيَاةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وفَنُّ التَّغَافُلِ
يَلْفِتُ الشيخ في الفَصْلِ السَّابِعِ إلى حِكْمَةٍ بَالِغَةٍ في العَلَاقَاتِ، مُسْتَنْبَطَةً مِنْ حَدِيثِ: "لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر"؛ فالمُقَارَنَةُ بَيْنَ المَحَاسِنِ والمَسَاوِئِ تُدِيمُ الصُّحْبَةَ وتَجْلِبُ الرَّاحَةَ.
وفي خِتَامِ رِسَالَتِهِ، يُذَكِّرُ بِقِصَرِ الحَيَاةِ، فَلَا يَنْبَغِي تَقْصِيرُهَا بِالهَمِّ، مُؤَكِّدًا أَنَّ "حَيَاتَكَ تَبَعٌ لِأَفْكَارِكَ". ومِنْ دَوَاعِي السَّرُورِ:
- عَدَمُ انْتِظَارِ الشُّكْرِ إلَّا مِنَ اللهِ.
- حَسْمُ الأَعْمَالِ في وَقْتِهَا لِلتَّفَرُّغِ لِلْمُسْتَقْبَلِ.
- تَخَيُّرُ الأَهَمِّ فَالأَهَمِّ مِنَ الأَعْمَالِ التي تَمِيلُ إلَيْهَا النَّفْسُ.
الخاتمة
تُعَدُّ هذه الرِّسَالَةُ نَمُوذَجًا فَرِيدًا يَمْزُجُ بَيْنَ الرُّؤْيَةِ الإِيمَانِيَّةِ العَمِيقَةِ والفَهْمِ الدَّقِيقِ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وهي لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ عِلْمِ النَّفْسِ الإِسْلَامِيِّ الرَّصِينِ. لَقَدْ كَشَفَ الشيخ السعدي -رحمه الله- عَنْ فِكْرٍ ثَاقِبٍ لَمْ يَنْحَصِرْ في مُتُونِ الكُتُبِ، بَلْ غَاصَ في وَاقِعِ النَّاسِ لِيَسْتَخْرِجَ لَهُمْ دُرَرَ السَّعَادَةِ. نَسْأَلُ اللهَ أَنَّ يَجْعَلَنَا مِمَّنْ طَابَتْ حَيَاتُهُمْ بِذِكْرِهِ، وانْشَرَحَتْ صُدُورُهُمْ بِطَاعَتِهِ، إنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ والقَادِرُ عَلَيْهِ.



اترك تعليقاً