مقدمة: في رحاب الاستسلام لله
إنَّ المتأمّل في كنه هذا الدين القويم يدركُ يقيناً أنَّ أركان الإسلام الخمسة ليست مجرد فرائض تعبدية عابرة، بل هي الوشائجُ العظمى التي تربطُ العبدَ بخالقه سبحانه وتعالى، وهي الأعمال الظاهرة التي تلهج بها الألسن وتتحرك بها الجوارح، لتشكل في مجموعها صرحاً إيمانياً شامخاً. لا يستقيمُ إسلامُ المرء ولا يكتملُ بنيانُ دينه إلا بإقامة هذه الأركان على وجهها الأكمل، مستوفيةً شروطها، مخلصةً لبارئها.
حقيقة الإسلام وجوهر الانقياد
يُعرّف الإسلام في لسان الشرع الرصين بأنه: الاستسلام لله عز وجل بالتوحيد، والانقياد له سبحانه بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وهذا التعريف الجامع المانع يرتكز على خمس دعائم أساسية هي أركان الإسلام الخمسة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً.
وقد تجلى هذا البيان النبوي في حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، فأجابه المصطفى بقوله:
«الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسولُ الله، وتُقيمَ الصلاةَ، وتُؤتيَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيتَ إن استطعتَ إليه سبيلاً» (رواه البخاري ومسلم).
التمايز بين مقام الإسلام ومقام الإيمان
في الاصطلاح الشرعي، يُعد الإسلام عنواناً للانقياد الظاهري لله عز وجل عبر الأعمال البدنية، وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده. أما الإيمان، فهو التصديق الباطن واليقين القلبي بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
وعند أهل السنة والجماعة، الإيمان قول وعمل ونية، وله أركان ستة كما ورد في حديث جبريل عليه السلام:
«أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
والعلاقة بين المصطلحين دقيقة؛ فإذا ذُكر أحدهما منفرداً شمل الآخر، وإذا اجتمعا في سياق واحد، صار الإسلام للأعمال الظاهرة والإيمان لليقين الباطن، كما في قوله تعالى:
((قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)) [الحجرات: 14].
تفصيل أركان الإسلام الخمسة: عُرى الدين الوثيقة
لقد شبّه النبي صلى الله عليه وسلم الدين بالبنيان الذي لا يقوم إلا على أعمدة، فإذا انهار الركن تداعى البناء. وإليك تفصيل هذه الأركان:
أولاً: الشهادتان (مفتاح الدخول في الملة)
وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم. هي الأصل الذي تُبنى عليه سائر الأعمال، فلا قَبول لعبادة ولا صحة لطاعة إلا بتحقيق التوحيد الخالص لله والمتابعة الصادقة لرسوله صلى الله عليه وسلم.
ثانياً: إقام الصلاة (عماد الدين)
هي آكد الأركان بعد الشهادتين، وهي الصلة الدائمة بين العبد وربه سبحانه وتعالى. فريضةٌ تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة، لتكون طهارةً للنفس وزكاةً للروح، وهي الفيصل بين الطاعة والمعصية.
ثالثاً: إيتاء الزكاة (حق الله في المال)
عبادة مالية جليلة، قرنها الله عز وجل بالصلاة في مواضع شتى من كتابه الكريم، مما يدل على عظم شأنها. هي طهرة للمال وتزكية لنفس الغني ومواساة للفقير، وبها يتحقق التكافل الاجتماعي في أسمى صوره.
رابعاً: صوم رمضان (مدرسة التقوى)
هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية التقرب إلى الله عز وجل. وهو فريضة مجمع عليها، قال تعالى:
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة: 183].
خامساً: حج بيت الله الحرام (قصد البيت العتيق)
هو رحلة العمر لمن استطاع إليها سبيلاً، فريضة تؤدى مرة واحدة في العمر. قال الله تعالى:
((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [آل عمران: 97].
- ملاحظة فقهية: من عجز بدنياً وقدر مالياً، لزمه الإنابة. ومن عجز عنهما سقط عنه الوجوب حتى يستطيع.
خاتمة: ثمرة الاستقامة على الأركان
إنَّ هذه أركان الإسلام الخمسة هي الميزان الذي توزن به استقامة العبد، وهي الملاذ الذي يأوي إليه المؤمن ليجدد عهده مع الله. فمن أقامها حق الإقامة، فقد استمسك بالعروة الوثقى، وحاز سعادة الدارين. اللهم ثبتنا على دينك، واجعلنا من المقيمين لحدودك، المخلصين في عبادتك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً