الفتيل المشتعل: هل كانت أزمة سبتة مجرد صدفة حدودية؟
هل يمكن لحدث حدودي عابر أن يتحول إلى زلزال رقمي تتجاوز ارتداداته حدود القارات؟ حين أعلنت السلطات الإسبانية حالة الطوارئ في مدينة سبتة إثر تدفق المهاجرين، ظنّ الكثيرون أنها أزمة إنسانية مألوفة، لكن الحقيقة كانت أعمق غَوْراً؛ فقد تحولت أزمة سبتة في ساعات معدودة من واقعة ميدانية إلى ساحة حرب معلوماتية (Information Warfare) شرسة، استُخدمت فيها أحدث أدوات التضليل الرقمي لتصفية حسابات سياسية قديمة وجديدة.
لقد أرجعت مدريد الأزمة إلى شائعات مضللة بثتها شبكات الاتجار بالبشر، مستغلة حكماً للمحكمة العليا الإسبانية لإيهام الحالمين بالعبور بإمكانية البقاء. غير أن تتبع مسار المحتوى الرقمي يكشف عن وجه آخر للقضية؛ حيث انبرت حسابات إسرائيلية لتوجيه النقاش نحو قضايا الأمن والسياسات الأوروبية، موظفة الزخم اللحظي لتأجيج الجدل الداخلي في إسبانيا.
دبلوماسية التغريد: حين يصبح «إكس» منصة للهجوم
بدأت الشرارة الرقمية من حساب مندوب إسرائيل الدائم لدى الأمم المتحدة، داني دانون، الذي لم يكتفِ بنقل الخبر، بل صاغه في قالب هجومي حاد. اعتبر دانون أن إسبانيا -التي لا تفتأ توزع المحاضرات الأخلاقية على إسرائيل- الأجدر بها أن تفسر وجود جيوب استعمارية لها في أفريقيا.
تجلت قوة هذا الهجوم في الأرقام التالية:
- 10 ملايين مشاهدة: حصدتها تغريدة دانون في وقت قياسي، لتصبح نقطة الارتكاز للحملة.
- ردود رسمية مقتضبة: علق وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي قائلاً: «الأمور بدأت تتضح جيداً»، في إشارة لوعي مدريد بالدور الإسرائيلي.
- استفزاز سياسي: دعا إيتمار بن غفير رئيس الوزراء الإسباني لفتح أبواب بلاده لسكان غزة، في محاولة لخلط الأوراق الإنسانية بالسياسية.
هندسة التضليل: وسم «حرروا سبتة» وقلب السرديات
لم تكن الحملة عفوية، بل قامت على هيكلية رقمية منظمة رصدتها وحدة المصادر المفتوحة. انتشر وسم (Free Ceuta) كالنار في الهشيم، شاركت فيه حسابات تحمل العلم الإسرائيلي ورموزاً أيديولوجية واضحة مثل حساب «Lions of Zion».
ركائز الخطاب التحريضي:
- قلب المصطلحات: استعارة مفاهيم «الاحتلال» و«حل الدولتين» وتطبيقها على إسبانيا بشكل ساخر، رداً على اعتراف مدريد بدولة فلسطين.
- التأطير كعقاب: تصوير الأزمة كـ «قصاص» إلهي أو سياسي بسبب مواقف إسبانيا المؤيدة للقضية الفلسطينية.
- الرمزية التاريخية: استحضار «محاكم التفتيش» وطرد اليهود لإضفاء طابع تاريخي انتقامي على الأحداث الجارية.
دخل على خط المواجهة حنانيا نفتالي، المسؤول السابق للإعلام الرقمي لنتنياهو، معلناً دعمه لـ «حل الدولتين في إسبانيا»، مما نقل الحملة من حيز الحسابات المجهولة إلى دوائر صنع القرار الإسرائيلي.
التزييف العميق: الذكاء الاصطناعي في خدمة الفوضى
تجاوزت الحرب الكلمات لتصل إلى الصورة؛ فقد رُصدت مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي (AI-Generated Content) حصدت أكثر من 15 مليون مشاهدة. هذه المشاهد لم تكن تهدف لنقل الواقع، بل لتزييفه عبر:
- تصوير المدينة في حالة فوضى عارمة لا وجود لها على أرض الواقع.
- إظهار قوات الأمن الإسبانية في حالة ضعف وتهاون متعمد.
- السخرية الشخصية من رئيس الوزراء بيدرو سانشيز عبر لقطات مصطنعة.
يُعد حساب «Dr. Clown, PhD» المصدر الأول لهذه المشاهد، وهو حساب يتبنى أجندات معادية للهجرة والسياسات اليسارية، مما يوضح التقاطع بين المصالح السياسية الإسرائيلية والتيارات اليمينية المتطرفة في أوروبا.
الخاتمة: دروس من رحم الأزمة الرقمية
إن ما شهدته أزمة سبتة يثبت أن الحدود في العصر الرقمي لم تعد جغرافية فحسب، بل أصبحت حدوداً فكرية ومعلوماتية يسهل اختراقها. لقد تحولت مأساة المهاجرين إلى أداة في يد «دبلوماسية الانتقام»، حيث يُستخدم التضليل الرقمي كشرط لترويض المواقف السياسية للدول. تظل الحقيقة هي الضحية الأولى في حروب «الترند»، ويبدو أن إسبانيا تدفع اليوم ضريبة مواقفها الأخلاقية في عالم لا يعترف إلا بلغة الضغط الرقمي.



اترك تعليقاً