أحكام الميراث بين ثوابت الشريعة وإغواء القوانين الوضعية: قراءة في ظاهرة الوصية بالميراث وفق القانون الإنجليزي

أحكام الميراث بين ثوابت الشريعة وإغواء القوانين الوضعية: قراءة في ظاهرة الوصية بالميراث وفق القانون الإنجليزي

أحكام الميراث بين ثوابت الشريعة وإغواء القوانين الوضعية

إنَّ المتأمل في أحوال الأمة اليوم يلحظُ جنوحاً لدى بعض الفئات نحو استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، لاسيما في قضايا الأموال والمواريث التي حسمها الخالق سبحانه وتعالى بقطعيّ الدلالة. وقد طفت على السطح مؤخراً ظاهرةٌ تستدعي الوقوف والتحليل، وهي إقدام بعض العائلات على كتابة الوصية بالميراث وفق القانون الإنجليزي، هروباً من الأحكام الشرعية وبحثاً عن مساواةٍ ماديةٍ متوهمة، وهو مسلكٌ يحمل في طياته مخاطر عقدية واجتماعية جسيمة.

تغوّل القوانين الوضعية وفلسفة الحرية المطلقة

تُشير التقارير الدولية، ومنها ما أوردته صحيفة (فاينتشال تايمز)، إلى تزايد إقبال بعض الأسر الثرية على توثيق وصاياها في بريطانيا، مستغلةً ما يتيحه القانون الإنجليزي من "مبدأ الحرية المطلقة". هذا القانون يمنح الموصي سلطةً استبدادية على ماله، تخول له:

  • حرمان الورثة الشرعيين، وإن كانوا من الدرجة الأولى كالأبناء والأزواج.
  • المساواة المطلقة بين الذكر والأنثى دون اعتبار للمسؤوليات المالية.
  • إلحاق الأدعياء وأولاد الزنى والمتبنّين بالورثة، ومساواتهم بالنسب الصحيح.

وعلى الرغم من أن قانون "توفير أفراد الأسرة والمعالين لعام 1975م" في بريطانيا قد يتدخل لفرض نفقة شهرية للمحرومين، إلا أنه لا يعترف بحقٍ أصيل في الميراث، بل يجعل الأمر رهيناً بتقدير المحكمة، مما يكرس مبدأ التحكم الفردي في مقابل التشريع الإلهي.

الوعيد الإلهي في تعدي الحدود الشرعية

إنَّ الواجب الشرعي يحتم على المسلم أن يعلم أن تقسيم الميراث ليس مصلحةً مرسلةً تخضع للأهواء، بل هو فريضةٌ من الله عز وجل. إنَّ كتابة الوصية بما يخالف الشريعة يُعدُّ عملاً باطلاً شرعاً وقانوناً في بلاد المسلمين، ويورث صاحبه إثماً عظيماً. وقد جاء التعقيب الإلهي بعد تفصيل الأنصبة في سورة النساء حازماً وقاطعاً، حيث قال الله سبحانه وتعالى:

(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) [النساء: 13-14].

فالمخالفة هنا ليست مجرد اجتهاد مالي، بل هي مشاقةٌ لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وتعدٍّ على نظامٍ رباني أُسس على العدل المطلق.

ميزان العدل لا المساواة الجائرة

لقد أخطأ من ظن أن المساواة في الأرقام هي عين العدل؛ فالإسلام بنى نظام المواريث على ثلاثة معايير موضوعية:

  1. درجة القرابة: فكلما اقترب الوارث من الميت زاد نصيبه، بغض النظر عن جنسه.
  2. موقع الجيل الوارث: فالأجيال الشابة (كالأبناء) تأخذ أكثر من الأجيال التي استدبرت الحياة (كالأبوين) لحاجتهم للبناء.
  3. العبء المالي: وهنا يكمن سر التفاوت في بعض الحالات، فالرجل مكلف شرعاً بالنفقة على زوجته وأبنائه وأقاربه، بينما المرأة ذمتها المالية محصنة ونفقتها واجبة على غيرها.

ومن الجدير بالذكر أن حالات تساوى المرأة فيها الرجل، أو ترث فيها أكثر منه، تزيد على ثلاثين حالة، مما يدحض فرية الظلم التي يروج لها المنهزمون أمام الثقافة الغربية.

مخاطر إلحاق الأدعياء بالنسب

من أقبح مظاهر الوصية وفق القوانين الوضعية مساواة ولد الزنى أو المتبنى بالابن الشرعي، وهو ما نفته الشريعة صراحةً؛ صوناً للأنساب وحمايةً للحقوق. قال الله تعالى:

"وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ" [الأحزاب: 4].

وقال سبحانه وتعالى:

"ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ" [الأحزاب: 5].

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" [رواه البخاري].

المخرج الشرعي والحلول الفقهية المعاصرة

لا يمنع الإسلام الإنسان من الإحسان لغير الورثة، فقد شرع الوصية في حدود الثلث لمن لا يرث، تحقيقاً للموازنة بين حق الورثة وحرية المتصرف. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

"الثلث، والثلث كثير".

وللمسلمين المقيمين في بلاد الغرب، يمكنهم استثمار "الحرية المطلقة" في تلك القوانين لتنفيذ أحكام الشريعة، وذلك عبر:

  • صياغة وصية قانونية تحدد أنصبة الورثة بما يوافق الحصص الشرعية تماماً.
  • تحديد المبالغ والقيم المالية لكل وارث بناءً على القسمة الإسلامية.
  • استيفاء الشروط الشكلية والقانونية (كالتوقيع والشهود) لضمان نفاذ الوصية شرعاً وقانوناً.

إنَّ الواجب على الفقهاء اليوم هو تقديم هذه البدائل المباحة التي تجمع بين ثبات النص ومرونة الوسيلة، لئلا يقع المسلم في شراك القطيعة والظلم، مصداقاً لقوله تعالى:

"فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَاطِعُوا أَرْحَامَكُمْ" [محمد: 22].

خاتمة:
إنَّ المال مال الله، ونحن مستخلفون فيه، والسعيد من لقي ربه وقد أدى الحقوق لأهلها كما أمر الشارع لا كما أملت عليه نفسه أو قوانين البشر. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يقفون عند حدودك ولا يتعدونها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *