مأرب: حين تغدو الحرب جيرةً ألفها الناس وصيرها الصبرُ حياة

مأرب: حين تغدو الحرب جيرةً ألفها الناس وصيرها الصبرُ حياة

مأرب: حين تغدو الحرب جيرةً ألفها الناس وصيرها الصبرُ حياة

على أطراف مخيم السويداء، حيث تلتقي رمال الصحراء بآلام النزوح، يجلس الخمسيني "أبو عاصم محمد الفقيه" واضعاً بين يديه بضعة آلاف من الريالات اليمنية، هي أول غيث من راتب نجله المجند. هذا المشهد البسيط في ظاهره، يحمل في طياته فلسفة شعب لم يعد يخشى الحرب؛ لأنها لم تغادر تفاصيل يومه أصلاً. فكيف تحولت مأرب من ساحة صراع محتملة إلى ملاذ آمن يرفض سكانه الانصياع لمنطق الهلع؟

مأرب.. جغرافيا النزوح وأرقام الصمود

تعد مأرب اليوم الحاضنة الكبرى لأوجاع اليمنيين وآمالهم في آن واحد. هي المدينة التي استقبلت ملايين الهاربين من جحيم الصراعات، لتتحول إلى مجتمع حيوي يرفض الانكسار. وتتجلى ضخامة التحدي في الأرقام الإحصائية التي تعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتق هذه المحافظة:

  • 2.2 مليون نازح: إجمالي عدد الفارين من الحرب الذين تستضيفهم مأرب.
  • 558 ألف نازح: يقطنون داخل المخيمات الرسمية والتجمعات العشوائية.
  • 214 مخيماً: هي عدد المواقع التي تحتضن هؤلاء النازحين وتفتقر لأدنى مقومات الحياة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات صماء، بل هي أرواح بشرية تعيش في "ظلمات ثلاث" كما وصفها النازح صالح علي داود: ظلمة النزوح، وقسوة الغربة، وتغييب الحقوق.

فلسفة البقاء في مخيم السويداء

في مخيم السويداء، لا يقاس الزمن بعقارب الساعة، بل بعدد الشتاءات التي اخترق بردها جدران الصفيح، وعدد السيول التي جرفت الخيام الممزقة. إن غياب مظاهر الهلع الجماعي تجاه التصعيد العسكري الأخير في مأرب يعود إلى أن السكان استوطنوا الخطر حتى صار جزءاً من بيئتهم. الحرب بالنسبة لهم ليست شبحاً قادماً، بل هي واقع يعيشونه في نقص الدواء، وشح مياه الشرب، وتهالك المأوى الذي لا يقي حراً ولا برداً.

يقول الناشط الحقوقي أمين الخديري إن مأرب لم تشهد نزوحاً عكسياً رغم طبول الحرب التي تقرع؛ فالناس هنا اعتادوا العيش على وقع الاحتمالات، وأصبحت معركتهم الحقيقية هي توفير لقمة العيش قبل التفكير في الخطوط الأمامية للجبهات.

اقتصاد الرمق الأخير.. ألف ريال ترسم البسمة

شهدت أسواق مأرب مؤخراً انتعاشاً محدوداً، ليس بسبب تعافٍ اقتصادي كلي، بل نتيجة صرف أول راتب لمنتسبي المناطق العسكرية (الثالثة والسادسة والسابعة) بواقع 1000 ريال سعودي (266 دولاراً) شهرياً. هذا المبلغ، رغم بساطته، مثل طوق نجاة للكثير من الأسر.

  • سداد الديون: يرى تجار الجملة أن أغلب السيولة النقدية اتجهت لسداد ديون قديمة تراكمت على كاهل الأسر.
  • السلع الأساسية: تتركز الحركة الشرائية على القوت الضروري، مما يعكس انعدام القدرة على التخزين أو الاستعداد للطوارئ.
  • ضعف القوة الشرائية: رغم الراتب الجديد، يبقى الموظف الحكومي عاجزاً عن تأمين احتياجات تتجاوز حد الكفاف.

التحديات الإنسانية: صرخة في وادي التمويل

يحذر سيف مثنى، مدير الوحدة التنفيذية لإدارة المخيمات، من أن الهشاشة تزداد يوماً بعد يوم. تراجع التمويل الدولي جعل آلاف الأسر في مواجهة مباشرة مع الجوع والمرض. الاحتياجات الإنسانية في مأرب وصلت إلى ذروتها، حيث يتصدر المأوى والأمن الغذائي قائمة المطالب الملحة.

إن غياب الهلع في مأرب ليس دليلاً على الرفاهية، بل هو "صبر الاضطرار". فالإنسان اليمني الذي فقد منزله ومصدر رزقه في الحُديدة أو غيرها، لم يعد لديه ما يخسره سوى تلك الخيمة التي يحلم يوماً بتركها ليعود إلى أرضه.

خاتمة: يقين العودة وشموخ مأرب

ستظل مأرب شاهدة على أعظم ملحمة إنسانية في العصر الحديث؛ حيث تمتزج فيها قسوة الصحراء بصلابة الإرادة. إن عدم خشية اليمنيين من حرب جديدة ليس استهانة بالموت، بل هو إيمان عميق بأن الفجر لا بد أن يبزغ من رحم المعاناة. هي حكاية شعب صير الصبر سلاحاً، والنزوح مرحلة، والعودة يقيناً لا يتزعزع. وكما قال أبو عاصم: "إذا انتهت الحرب سنعود إلى أرضنا، وهذا كل ما نريده"؛ ففي هذه الكلمات البسيطة تتلخص رؤية أمة ترفض أن تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *