هل يحمي المنبر من تلطخت يداه بمداد الفتن؟
تتجه أنظار السوريين اليوم نحو أروقة القصر العدلي بدمشق، حيث تتهادى خطى العدالة لتضع حداً لحقبة من الجدل الفقهي والسياسي الذي أثاره أحمد حسون، مفتي النظام المخلوع. إن مشهد المحاكمة اليوم يطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة القانون على ترميم ما أفسدته السياسة، وهل تكفي الأحكام القضائية لمداواة جراح مجتمع عانى ويلات التجييش؟ إن قضية أحمد حسون تمثل حجر الزاوية في مسار "العدالة الانتقالية"؛ ذلك المفهوم القانوني الذي يمثل الجسر الآمن لنقل الدولة من ضفاف الصراع والانتهاكات إلى بر الأمان وسيادة القانون.
الجلسة الخامسة: حين ينطق ملف الدعوى بالحقائق
شهدت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بدمشق، يوم الخميس، فصلاً جديداً من فصول المحاكمة، حيث استكملت الهيئة القضائية النظر في التهم الموجهة إلى المتهم. هذه الجلسة، التي تُعد الخامسة في ترتيب المحاكمات، لم تكن مجرد إجراء روتيني، بل كانت وقفة حازمة أمام التاريخ.
أبرز محطات المسار القضائي الحالي:
- 25 يونيو/حزيران الماضي: انطلاق أولى جلسات المحاكمة العلنية.
- 29 يوليو/تموز الماضي: الاستماع لشهادة شاهد سري كشف عن عمليات ابتزاز مالي.
- أغسطس/آب الجاري: تحديد يوم 24 موعداً نهائياً لجلسة التدقيق والنطق بالحكم.
مطالبة بالإعدام: أقصى العقوبات لجرائم لا تغتفر
في لحظة مهيبة داخل القاعة، تقدمت النيابة العامة بمرافعتها الختامية، مستندة إلى ترسانة من الأدلة والوقائع الثابتة التي حواها ملف الدعوى. وطالبت النيابة بتطبيق "أقصى العقوبات القانونية"، وهي عقوبة الإعدام، معتبرة أن الجرائم المسندة إلى المتهم تجاوزت حدود الفعل الفردي لتصبح طعنات في جسد السلم الأهلي.
وعلى الجانب الآخر، أكد وكيل الادعاء عبر مذكرة خطية مسؤولية المتهم الكاملة، في حين التمس الدفاع مهلة إضافية، وهو طلب تركته المحكمة لتقديرها القانوني الصرف، بما يضمن معايير المحاكمة العادلة التي تمنح المتهم حق الدفاع حتى الرمق الأخير من المسار القضائي.
العدالة الانتقالية: استحقاق وطني لا يقبل التأجيل
أوضح رديف مصطفى، مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أن هذه المحاكمة تعكس اكتمال العرض القضائي. إن مفهوم العدالة الانتقالية هنا يتجلى كأداة جراحية دقيقة تستأصل الأورام القانونية لضمان عدم تكرار الانتهاكات.
وتبرز أهمية هذه المرحلة من خلال النقاط التالية:
- تكريس سيادة القانون: التأكيد على أن لا أحد فوق المحاسبة مهما علا شأنه.
- الشفافية القضائية: عرض الأدلة والمرافعات وسماع الأقوال الأخيرة للمتهم بوضوح.
- الردع العام: توجيه رسالة حازمة بأن الجرائم الجسيمة تتبعها أحكام عادلة وقوية.
من كواليس الابتزاز إلى قبضة العدالة
لم تقتصر التهم على الجوانب العامة، بل غاصت في تفاصيل إنسانية مؤلمة؛ حيث كشفت الجلسات السابقة عن وجه آخر للمتهم، تمثل في استغلال النفوذ للابتزاز المالي. وقد استمعت المحكمة لشهادة ضحية حاول إطلاق سراح شقيقته المعتقلة منذ عام 2012، ليجد نفسه فريسة لمطامع مادية ممن كان يُفترض به أن يكون رمزاً للرحمة.
يُذكر أن رحلة الهروب انتهت في مارس/آذار 2025، حين قُبض على أحمد حسون أثناء محاولته مغادرة البلاد، لتتحول رحلته من مطارات الهروب إلى قاعات المحاكم، تنفيذاً لمذكرة توقيف قضائية لم تسقط بالتقادم.
خاتمة: ميزان لا يميل
إن العدالة حين تمضي بخطوات ثابتة، لا تهدف للثأر، بل تهدف لاستعادة هيبة الحق المسلوب. إن محاكمة أحمد حسون هي رسالة لكل من ظن أن المنصب أو العمامة قد تكون درعاً واقياً أمام صولة القانون. وفي انتظار يوم 24 أغسطس، يبقى اليقين بأن شمس العدالة، وإن تأخر بزوغها، فإنها تحرق في طريقها كل زيف، ليبقى الوطن شامخاً بصدق أحكامه ونزاهة قضائه.



اترك تعليقاً