حصن العقيدة وفتنة الردة: قراءة في ثبات الصديق رضي الله عنه وأرضاه
لقد كان يوم وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أعظم خطبٍ دهم المسلمين، ونازلةً زلزلت الأركان؛ إذ لم تكد القلوب الوالهة تستوعب فجيعة الفقد، حتى أحدث ذلك المصاب الجلل اضطراباً هائلاً في أرجاء الجزيرة العربية. فماجت القبائل مَوْجاً، واشرأبّ النفاق بأعناقه، وارتد كثير من الأعراب عن حياض الدين، في فتنة عاصفة كادت تعصف بكيان الدولة الإسلامية الوليدة في عاصمتها المدينة المنورة، لولا أن تدارك الله الأمة برحمته وثبات خليفتها.
تصحيح المفاهيم: هل ارتدت العرب قاطبة؟
من الأخطاء الشائعة والقصور في التصور التاريخي الاعتقاد بأن القبائل العربية قاطبة قد نكصت على أعقابها عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الإسلام انحسر ظله إلا في مكة والمدينة والطائف. وهذه صورة تجافي الحقيقة التاريخية ولا تعضدها الروايات المعتبرة؛ فبالرغم من كون حروب الردة من أعظم المحن التي واجهت الدولة الناشئة، إلا أنها لم تشمل سواد المسلمين ولا كافة القبائل.
لقد بقيت قبائل شتى ثابتة على الحق، عاضة عليه بالنواجذ، وقفت بصلابة إلى جانب الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأسهمت في دحر الباطل وإخماد جذوة الفتنة، ومنهم:
- قبائل أسلم وغفار ومزينة وأشجع.
- جمهور أهل اليمن من العرب والفرس الذين أسلموا هناك.
- المسلمون في اليمن بقيادة فيروز الديلمي رضي الله عنه، الذين واصلوا مقارعة أتباع الأسود العنسي.
وقد قرر الدكتور مهدي رزق في كتابه (الثابتون على الإسلام أيام فتنة الردة) هذه الحقائق بالأدلة التاريخية، مبيناً دور الأقاليم التي لم تتزعزع عقيدتها في نصرة الدولة الإسلامية.
الجذور التاريخية والتربوية لفتنة الردة
إن المتأمل بصيرةً في جذور هذه الفتنة يدرك أن الردة لم تكن لخلل في ذات الإسلام أو قصور في رسالته سبحانه وتعالى، بل كانت راجعة في جلّها إلى حداثة عهد القوم بالإسلام. فمعظم من ارتد كان ممن وفدوا في "عام الوفود" في السنة التاسعة للهجرة، فلم ينهلوا من معين التربية النبوية، ولم تتهذب نفوسهم في مدرسة النبوة كما تهذبت نفوس المهاجرين والأنصار.
لقد دخلوا في دين الله أفواجاً، لكن الإيمان لم يوقر في قلوبهم بالقدر الذي يصمد أمام الابتلاء، فظلت رواسب العصبية القبلية كامنة في النفوس، وظنوا أن الطاعة والولاء مرتبطان بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يدركوا أن الدولة قائمة على الوحي والشريعة لا على شخوص الحكام. فكانت المحنة درساً بليغاً في أهمية التربية الإيمانية وترسيخ العقيدة لثبات المسلم أمام الشبهات والشهوات.
حكمة الصديق وعزيمته: الدين لا يقبل التجزئة
في هذا الأتون المستعر، تجلت عظمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ إذ أدرك بفرط إيمانه أن التهاون مع مانعي الزكاة هو هدم لأصول الدين. ومع أن بعض كبار الصحابة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مالوا إلى التألف والتريث، إلا أن الصديق رأى أن الزكاة ركن ركين لا يفرق بينه وبين الصلاة.
الموقف الحاسم والشعار الخالد
بعد أن أقام الحجة وسلك سبل الدعوة، وأبى المرتدون إلا العناد والعدوان، أعلن الصديق رضي الله عنه صيحته التي حفظها التاريخ:
"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" [رواه البخاري].
لواء الحق وإعادة وحدة الجزيرة
لم يقف الصديق رضي الله عنه عند حدود القول، بل عقد أحد عشر لواءً، دفع بها إلى صناديد الصحابة كخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل وعمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين. فخاضوا معارك طاحنة، كان أشدها "معركة اليمامة" ضد مسيلمة الكذاب، حيث استبسل المسلمون وقدموا قوافل الشهداء من حفاظ القرآن الكريم، حتى أُزهق الباطل وعادت الجزيرة العربية إلى حظيرة الإسلام.
من الدروس المستفادة من سياسة الصديق:
- الحزم في الحق: لا مهادنة في أركان الدين وشرائعه.
- فتح باب الأوبة: قبول توبة من رجع إلى الحق، كما حدث مع طليحة بن خويلد والأشعث بن قيس، اللذين صارا من كبار المجاهدين لاحقاً.
- شمولية الإسلام: التأكيد على أن الإسلام نظام متكامل لا يقبل التجزئة بين عقيدة وعبادة ومعاملة.
إن حروب الردة برهنت للعالمين أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله سبحانه وتعالى، ثم بقيادة راشدة تجمع بين رحمة الدعوة وسطوة الحق. فرحم الله أبا بكر الصديق، الذي كان الصخرة التي تكسرت عليها أمواج الفتن، وحفظ الله به بيضة الإسلام بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وجعلنا على نهجهم متمسكين، وللحق ناصرين.



اترك تعليقاً