مقدمة: الأسرة ركيزة الوجود الإنساني
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ونحن معهم يا رب العالمين. ”اللهم اشرح لي صدري ويسرلي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي“.. وبعد:
إنّ شرف العلم بشرف المعلوم، وقيمة هذا البحث تستمد جلالها من موضوعه؛ وهو فقه الأسرة، تلك النواة التي تمثل ركيزة الأمة وأصل الحياة الإنسانية. ولأهميتها وعظم شأنها، أكرمها الله سبحانه وتعالى غاية الإكرام، فأنزل من الآيات والتشريعات ما يعضد كيانها ويثبت أركانها، وصانها من آفات التفكك والانحلال. لقد بدأت هذه المسيرة المباركة من رجل وامرأة (آدم وحواء)، وجعل الله قدوتها الأنبياء والمرسلين، وفي مقدمتهم خاتم المرسلين وسيد الثقلين سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وسيدات بيت النبوة من أمهات المؤمنين وبناته الطاهرات المطهرات، والصحابيات الجليلات رضي الله عنهن أجمعين.
إننا اليوم نرى رياح التغريب تضرب سفينة مجتمعاتنا، وتعمل على تقويض تماسك الأسرة المسلمة، مما أدى إلى وهن القيم وضعف الروابط. ولأن الأسرة هي قلب الأمة النابض، فبصلاحها يصلح المجتمع، وبفسادها يسقم الوطن؛ لذا كان لزاماً علينا العودة إلى المنهج النبوي الأصيل.
المنهج النبوي في تلقي الوحي والعمل به
لقد سار الصحابة الكرام رضي الله عنهم أجمعين على خطى خير البشر صلى الله عليه وسلم، متبعين منهجاً فريداً في القول والعمل، ارتكز على:
- إدراك منزلة القرآن الكريم ومقصده الأعظم.
- حسن تلقي الوحي باعتباره رسائل من ربهم للامتثال والعمل.
- تلاوة القرآن بترتيل وتمهل وتحزن، والقيام به في جوف الليل.
يقول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ”كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن“.
وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ”لقد عشنا برهة من دهرنا وأحدنا يؤتى الإيمان قبل القرآن، فتنزل السورة على محمد فنتعلم حلالها وحرامها، وأمرها وزجرها، وما ينبغي أن يقف عليه منها، كما تعلمون أنتم اليوم القرآن، ثم لقد رأيت رجالاً يؤتى أحدهم القرآن قبل الإيمان فيقرأ ما بين خاتمته ما يدري أمره ولا زاجره، ولا ما ينبغي أن يقف عنده منه، فينثره نثر الدقل“.
وقد قال الله سبحانه وتعالى: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب) [ص: 29].
دلالات المصطلح: الفقه والأسرة لغة واصطلاحاً
أولاً: الفقه
- لغة: يطلق على إدراك الشيء والعلم به والفهم والفطنة. وقد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام: (قال رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي) [طه: 25-28]، أي يفهموه.
- اصطلاحاً: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
ثانياً: الأسرة
- لغة: هي الدرع الحصينة، وعشيرة الرجل وأهل بيته. وهي مشتقة من "الأسر" وهو إحكام الربط وقوته.
- اصطلاحاً: تطلق ويراد بها الأب والأم وما انبثق عنهما من ذرية وأقارب (فتاوى ابن تيمية). وعرفتها الموسوعة الفقهية الكويتية بأنها: "مجموعة من الأفراد ارتبطوا برباط إلهي هو رباط الزوجية أو الدم أو القرابة".
وعلى الرغم من أن لفظة "الأسرة" لم ترد في القرآن إلا في سياق لغوي خاص، إلا أن الشريعة استخدمت لفظة "الأهل" للدلالة عليها، كما في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) [التحريم: 6]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ”خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي“.
الميثاق الغليظ وركائز الاستقرار الأسري
إن تكوين الأسرة يتم عبر الزواج الشرعي الذي سماه الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات بالميثاق الغليظ: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) [النساء: 21].
ولتحقيق الأمن والأمان داخل هذا الكيان، وضع الإسلام ركائز متينة تشمل:
- الإحسان إلى الوالدين: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن) [لقمان: 14].
- رعاية الأخوة: (واجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي أشدد به أزري) [طه: 29-31].
- رعاية الزوجين: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) [البقرة: 228].
- رعاية الأبناء: كما في وصايا لقمان لابنه: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) [لقمان: 17].
- رعاية الأقارب: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) [النساء: 1].
مراحل نمو الأسرة وتحديات العصر
تشبه الأسرة في أطوارها مراحل نمو الإنسان التي ذكرها الله في قوله: (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة) [الروم: 54]. فهي تبدأ من نطفة الزواج المبارك، ثم تقوى بالبنين والحفدة، وتصل إلى مرحلة الاستقرار.
وفي ظل ما يسمى بـ "ثقافة الجندر" أو الانحرافات السلوكية التي تخالف الفطرة السليمة، يبرز دور الأسرة كخط دفاع أول. إن محاولات تغيير الجنس أو إشاعة ثقافة قوم لوط هي مما تأباه الفطرة وتشرع له الشريعة أقسى العقوبات، وما ذكر الله قصة قوم لوط إلا لتكون نكالاً وعبرة.
منهج الإصلاح والتميز الأسري
للحفاظ على هذا الكيان السامي، يجب اتباع الخطوات التالية:
- حسن الاختيار: لقوله صلى الله عليه وسلم: ”انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما“، وقوله: ”إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه“.
- الوضوح والصدق: بعيداً عن التدليس والخداع في مرحلة الخطبة.
- التربية بالقدوة: التزام الوالدين بالصلاح قبل أمر الأبناء به.
- إشاعة ثقافة الشورى والرفق: فـ ”إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه“، والشورى تزيد من ثقة الأفراد ببعضهم.
- ذكر المحاسن وستر العيوب: لتمتين الروابط العاطفية وتجاوز عثرات الماضي.
- التميز والاستقلال: لتكون الأسرة المسلمة "قرة أعين" ونموذجاً يحتذى به في المجتمع.
خاتمة:
إن الأسرة هي سر الحياة على كوكب الأرض، وهي الأمانة التي استودعنا الله إياها. فبالتمسك بمنهج الوحي، والرفق في المعاملة، والشورى في الرأي، نبني حصوناً لا تطالها رياح الفتن. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



اترك تعليقاً