أدب اللسان وسكينة الجنان: ميثاق المؤمن في صيانة المنطق عن الفحش والبهتان

أدب اللسان وسكينة الجنان: ميثاق المؤمن في صيانة المنطق عن الفحش والبهتان

إن الكلمة في ميزان الشريعة ليست مجرد ذبذبات عابرة، بل هي أمانة عظمى ومسؤولية كبرى يرتفع بها العبد إلى عليين أو يهوي بها في أسفل سافلين. إن أخلاق اللسان في الإسلام تمثل المرآة العاكسة لصفاء القلب واستقامة المنهج، فالمؤمن الحق هو من لجم لسانه بلجام التقوى، وعطر منطقه بذكر الله، ونزه نفسه عن كل قول يخدش الحياء أو يؤذي العباد.

الرقابة الإلهية ومسؤولية الكلمة

يدرك المسلم الواعي أن كل لفظة يرسلها، وكل حرف يخطه، مرصود في سجلات لا تغادر صغيرة ولا كبيرة. فالله سبحانه وتعالى قد جعل على كل عبد رصداً من ملائكته يحصون عليه أنفاسه ومنطقه، حيث قال الله عز وجل في محكم التنزيل:

«ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد» (ق: 18)

وهذا الإدراك العميق هو الذي يبعث في النفس الوجل من عثرات اللسان؛ ففي الحديث الذي يرويه معاذ بن جبل رضي الله عنه، حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم مستفهماً:

«يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟»

فأجابه المصطفى صلى الله عليه وسلم بجواب زلزل القلوب وأيقظ الغافلين قائلًا:

«ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟»

صفات المؤمن: نزهة عن الفحش والبذاءة

لقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم الملامح الأخلاقية للمؤمن، فجعله منارة في الأدب والسمو، محذراً من الانزلاق في مستنقعات القول الهجين. فقد روى الترمذي بسند صحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء»

وفي هذا التوجيه النبوي السامي، نجد تحذيراً شديداً من المساس بأعراض الناس، أو النبز بالألقاب، أو الطعن في الأنساب. كما ينهى الحديث عن كثرة اللعن والدعاء بالطرد من رحمة الله عز وجل التي وسعت كل شيء، ويحذر من الفحش في القول، وهو كل ما قبح من الكلام واستهجنته الفطرة السليمة.

جمال الحياء وقبح الخناء

إن الحياء هو شعبة من الإيمان، وهو السياج الذي يحمي المرء من السقوط في رذائل القول. فالحياء والوقار يمنعان النفس الزكية من التلفظ بما يجرح المشاعر أو يخدش المروءة. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى فيما رواه الترمذي بسند صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه:

«ما كان الفحش في شيء إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه»

فالفحش يشوه جمال الروح ويفسد رونق التعامل، بينما يضفي الحياء بهاءً وسكينة على صاحبه. ولله در الشاعر العربي حين قال:

جراحات السنان لها التئام .. ولا يلتام ما جرح اللسان

الترياق النبوي لعثرات اللسان

إذا ما وجد المسلم في نفسه ميلاً لحدة القول أو بذاءة اللفظ، فعليه أن يسارع إلى كبح جماح نفسه، وأن يستعيذ بالله سبحانه وتعالى من شر لسانه، مجاهداً نفسه على تقويم منطقه. وقد أرشدنا الهدي النبوي إلى الدواء الناجع لهذه الآفة؛ فقد روى ابن ماجه وغيره عن حذيفة رضي الله عنه قال:

«شكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذرب لساني (أي فحشه)، فقال: أين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»

فالاستغفار هو الغسيل الذي يطهر القلوب والألسنة، وهو الباب المفتوح لكل من أراد العودة إلى رحاب الكلم الطيب.

خاتمة: الكلم الطيب معراج القبول

إن الغاية الأسمى للمؤمن هي أن يكون منطقه ذكراً، وصمته فكراً، وأن ترفع أقواله إلى مقام القبول عند رب العالمين. فالله عز وجل يقول:

«إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه» (فاطر: 10)

فلنجعل من ألسنتنا مفاتيح للخير، ومغالق للشر، ولنعمر أوقاتنا بما يرضي المولى سبحانه وتعالى، سائلين الله أن يطهر قلوبنا من النفاق، وألسنتنا من الكذب والفحش، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *