مقدمة: إشراقة الرجاء في ديجور اليأس
انبثق نور النبوة ليغمر القلوب القانطة بفيض من الرجاء، وليستنهض الهمم الفاترة بعزائم اليقين. إن النبي المبشر ليس مجرد صفة عارضة، بل هو جوهر المنهج الذي تلتئم حوله معاني الصمود في السيرة العطرة. فما أبهى كلمة «أبشر» حين تفيض من لسان الصدق لتستقر في روع قلب ظمآن، يترقب الفرج ويتعلق بأهداب الأمل؛ فتفتح له أبواب السماء على مصراعيها. لقد كلف الله سبحانه وتعالى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم بمهام جسام، تتربع البشارة على عرشها، لتكون نبراساً يهتدي به المسلم في دروب الحياة.
رسالة التبشير: مأمورية إلهية ومنهج نبوي
إن التعرف على مقام النبي صلى الله عليه وسلم وما أنيط به من تكاليف ربانية هو فريضة على كل مسلم؛ ليدرك سمو منزلته ويقتفي أثر خطاه. يقول الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 45 وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا 46 وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا﴾ [الأحزاب: 45-47].
لقد رافقت البشارةُ المصطفى صلى الله عليه وسلم منذ بزوغ فجر الدعوة؛ فكان يقدم جوهر الدين للناس من بوابة الخير الموعود، مشروطاً بالإخلاص لله والولاء لرسوله، حيث كان يقول:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا، وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ، وَتَذِلُّ لَكُمُ الْعَجَمُ، وَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ».
ثمار البشارة النبوية الأولى:
- الفلاح المطلق: وهو جماع الخير في الدارين.
- عز العرب: السيادة والتمكين في جزيرة العرب.
- انقياد العجم: خضوع الممالك الكبرى لعدل الإسلام.
- الخلود في الجنان: المنزلة الأسمى والنعيم المقيم.
صدق الجنان واستقامة الأركان: شرط الاستحقاق
إن كلمة التوحيد التي بشر النبي صلى الله عليه وسلم قائلها بالجنة ليست حروفاً جوفاء تجري على الألسن، بل هي عقيدة راسخة تترجمها الجوارح كفاحاً وعملاً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«أشهد عند الله، لا يموت عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، صدقاً من قلبه، ثم يسدد، إلا سلك في الجنة».
فالتسديد هو العمل القاصد بلا غلو ولا تقصير، والصدق هو المحرك الذي يدفع الإنسان لبذل الوسع، فإذا صدقت النية وعجزت الجوارح، تفضل الله سبحانه وتعالى بالأجر كاملاً. ومع الصدق، لا بد من تجريد الإخلاص، إذ يقول صلى الله عليه وسلم:
«بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمِ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِدنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ».
في ليل الأزمات يبزغ فجر البشارات: دروس من يوم الخندق
حين تضيق النفوس وتنسد الآفاق، تأتي بشارة النبي المبشر صلى الله عليه وسلم لتمد القلوب بمدد من قوة الله عز وجل. وفي يوم الخندق، حين أحدق الخطر بالمدينة، تجلى هذا المنهج في أبهى صوره. فبينما كان الصحابة يصارعون الصخر والبرد والجوع، اعترضتهم صخرة عاتية، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم:
«فَلَمَّا رَآهَا أَخَذَ الْمِعْوَلَ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. وَضَرَبَ ضَرْبَةً فَكَسَرَ ثُلُثَهَا وَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ فَارِسَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ الْمَدَائِنِ الْأَبْيَضَ. ثُمَّ ضَرَبَ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ. فَقَطَعَ بَقِيَّةَ الْحَجَرِ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ! أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْيَمَنِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ أَبْوَابَ صَنْعَاءَ مِنْ مَكَانِي السَّاعَةَ».
لقد كان التباين في استقبال هذه البشارات معياراً للتمحيص؛ فالمنافقون ركنوا إلى ظواهر الأمور وقالوا:
﴿مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا﴾ [الأحزاب: 12].
أما الذين خالط الإيمان بشاشة قلوبهم، فقد أيقنوا أن موازين القوى بيد الله سبحانه وتعالى وحده، فهتفوا:
﴿هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا﴾ [الأحزاب: 22].
أدب الاستماع ومنهج التيسير
تتوالى البشارات لتشمل أولئك الذين يجمعون بين حسن الاستماع وشرف الاتباع، كما في قوله عز وجل:
﴿فَبَشِّرۡ عِبَادِ 17 ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾.
إنهم الذين لا يتبعون الهوى، بل ينشدون الحق في أسمى تجلياته. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الفأل ويبث التفاؤل في أصحابه، فكان يوصيهم:
«بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».
ولم تقتصر بشارته على الميادين العامة، بل دخلت بيوت المكلومين، فها هو يواسي أم العلاء في مرضها قائلاً:
«أَبْشِرِي يَا أُمَّ الْعَلَاءِ، فَإِنَّ مَرَضَ الْمُسْلِمِ يُذْهِبُ اللهُ بِهِ خطَايَاهُ كَمَا تُذْهِبُ النَّارُ خَبَثَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ».
خاتمة: صدق الله ورسوله
إن منهج النبي المبشر هو الترياق لكل يأس، والمنار لكل حائر. بشاراتٌ تحقق بعضها عياناً، وبعضها ننتظر أوانه بقلوب ملؤها اليقين. فالمؤمن لا تكسره النوائب ما دام يستمسك بحبل البشارة النبوية، مستيقناً أن مع العسر يسراً، وأن عاقبة الصبر نصر وتمكين. فاللهم اجعلنا من عبادك المبشرين، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



اترك تعليقاً