الشريعة الإسلامية: ميزان الربانية والكمال الأخلاقي في فكر الدكتور إبراهيم الأنصاري

الشريعة الإسلامية: ميزان الربانية والكمال الأخلاقي في فكر الدكتور إبراهيم الأنصاري

استهلال: في رحاب الوحي ومنهاج النبوة

تتجلى الشريعة الإسلامية كمنظومة ربانية فريدة، لا تقف عند حدود تنظيم الظواهر، بل تنفذ إلى أعماق الضمائر لتصيغ الإنسان في أبهى صورة من الكمال والاتزان. وفي إطار سعي إذاعة القرآن الكريم من الدوحة لتسليط الضوء على هذه المعالم، استضاف برنامج "كيف أصبحت"، ضمن فقرة "أضواء على الشريعة"، الأستاذ الدكتور إبراهيم الأنصاري، رئيس جمعية البلاغ الثقافية وعميد كلية الشريعة بجامعة قطر، في حوار ماتع أبان فيه عن مكنونات هذا التشريع الإلهي الذي يجمع بين سمو الأخلاق وواقعية التنفيذ.

الربانية: المصدر الأسمى والرقابة الذاتية

أكد الدكتور الأنصاري أن خصيصة "الربانية" هي حجر الزاوية في الشريعة الإسلامية؛ فهي ليست نتاج عقول بشرية يعتريها النقص والهوى، بل هي تنزيل من حكيم حميد. إن ارتباط التشريع بالله تبارك وتعالى يورث في قلب المسلم تعظيماً وقدسية تدفعه للامتثال طواعية وحبّاً، لا خوفاً من سطوة القانون فحسب.

  • تنمية الوازع الديني: تربي الربانية في الفرد رقابة ذاتية تجعله يخشى الله سبحانه وتعالى في السر والعلن.
  • الإخلاص في التطبيق: يندفع المؤمن لتنفيذ الأحكام تعبداً لله، مما يمنع الاحتيال على النصوص أو التهرب من المسؤولية.
  • حكمة المشرع: إن الواضع لهذه الشريعة هو اللطيف الخبير الذي يعلم مصلحة العباد أكثر من علمهم بأنفسهم.

المنظومة الأخلاقية: من فلسفة الحقوق إلى سمو التكاليف

في مقارنة رصينة بين النظم الوضعية والشريعة، أوضح الدكتور الأنصاري أن القوانين البشرية غالباً ما تهدف إلى فض النزاعات انطلاقاً من مبدأ "الحقوق"، بينما ترتكز الشريعة الإسلامية على مبدأ "التكاليف". فالفرد في الإسلام مسؤول أمام الله عز وجل عن أداء حق غيره قبل المطالبة بحقه، مما يرتقي بالمجتمع نحو كمالات أخلاقية عليا.

ومن شواهد هذا الرقي الأخلاقي وجود "الكفارات"، وهي عقوبات ينفذها المرء على نفسه تعبداً (ككفارة اليمين والظهار)، مما يرسخ حس المسؤولية الفردية دون الحاجة لرقيب سلطوي.

واقعية التشريع: مواءمة الفطرة ورفع الحرج

رغم مثالية الشريعة في أهدافها، إلا أنها ظلت متمسكة بواقعية مذهلة، فهي لم تحلق في خيالات لا تدرك، بل اعترفت بضعف الإنسان وغرائزه.

  1. إقرار الفطرة: أباحت الشريعة الملكية الفردية والزواج المنظم، رداً على الأفكار المنحرفة التي تصادم الطبيعة البشرية.
  2. قاعدة التيسير: بني التشريع على اليسر، وشرعت الرخص في السفر والمرض والاضطرار، لأن الخالق سبحانه وتعالى هو أعلم بما يطيقه عباده.

عالمية الشريعة وصيانة كرامة الإنسان

إن الشريعة الإسلامية ليست حكراً على جنس أو عرق، بل هي رسالة عالمية تستهدف صيانة حقوق البشرية جمعاء. وقد شدد الدكتور الأنصاري على أن الإسلام كرم الإنسان لذاته، مصداقاً لقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70].

وفي مقارنة مع النظام الدولي المعاصر، نجد أن الشريعة ترفض الظلم بكافة صوره، بخلاف الأنظمة التي تمنح امتيازات (كحق الفيتو) لبعض الدول على حساب الشعوب المستضعفة. فالجهاد في الإسلام لم يشرع إلا لدفع العدوان وحماية المستضعفين وإرساء قيم العدل والمساواة.

التناسق والشمول: الرد على شبهات الميراث

أشار الدكتور الأنصاري إلى أن أحكام الشريعة تتكامل في وحدة موضوعية متناسقة، وحذر من اجتزاء النصوص. وفي معرض رده على شبهة الميراث، أوضح الحقائق التالية:

  • إحصاء دقيق: حالات تفوق نصيب الرجل على المرأة لا تتجاوز 4 حالات من أصل ما يقارب 40 حالة، أي أقل من 10%.
  • فلسفة التوزيع: التفاوت في هذه الحالات القليلة يعود إلى التكليف المالي الملقى على عاتق الرجل (من مهر ونفقة ورعاية)، بينما تحتفظ المرأة بمالها لنفسها.
  • التكافل الاجتماعي: تحمل ذكور العصبة للديات في القتل الخطأ يبرر زيادة نصيبهم في بعض المسائل المالية لمقابلة هذه الالتزامات.

خاتمة: الشريعة حياة

إن الشريعة الإسلامية بجمعهما بين العبادات والمعاملات، وبين الجنائي والأسري، تمثل نعمة إلهية كبرى تضمن أمن المجتمع واستقرار الفرد. فهي منهج حياة متكامل يربط الأرض بالسماء، والمادة بالروح. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من المتمسكين بهدي شريعته، العاملين بمقتضاها، لنفوز بسعادة الدارين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *