مشروع مواجهة النفوذ في إيران: صراع السيادة والحرية تحت قبة البرلمان
هل يمكن للتحصين الأمني أن يتحول إلى قيد يدمي معصم الفكر؟ في قلب طهران، يدور اليوم سجال محتدم حول مشروع مواجهة النفوذ في إيران، وهو حراك تشريعي يضع الدولة أمام معضلة التوفيق بين حماية الأمن القومي وضمان الانفتاح العلمي والثقافي. هذا التجاذب ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو مرآة تعكس تباين الرؤى بين سلطة تنفيذية تخشى العزلة، وسلطة تشريعية تسعى لسد ثغرات التجسس بأسوار من القوانين الصارمة.
أروقة التشريع: حين يتجاوز النص تخوم الحذر
انطلق القطار التشريعي من محطة مجلس الشورى، حيث حظيت المبادئ العامة للمشروع بتأييد واسع، لكن الشياطين تكمن في التفاصيل التي وسعتها لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية. لقد تحول المشروع من صيغة مقتضبة إلى مدونة قانونية تضم 33 مادة، تهدف في ظاهرها إلى مكافحة التجسس، لكنها في باطنها تثير قلقاً حكومياً بالغاً من اتساع نطاق التجريم.
وتتجلى لغة الأرقام والحقائق في هذا المسار التشريعي كالتالي:
- 183 صوتاً: هي الأغلبية التي أقر بها مجلس الشورى المبادئ العامة للمشروع.
- 33 مادة: الحجم النهائي للمشروع بعد توسيعه لسد ما وصفه النواب بـ "الفراغات القانونية".
- 6 أشهر إلى سنتين: عقوبة السجن المقترحة لمن يثبت تعاونه الإعلامي مع جهات أمريكية أو إسرائيلية دون ترخيص.
مخاوف "التحريم الذاتي": العلم في مهب الريح
حذر وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، عباس صالحي، من مغبة الوقوع في فخ "التحريم الذاتي". هذا المصطلح الأدبي البليغ يلخص أزمة تحويل التواصل العلمي والثقافي إلى جريمة محتملة. تخشى الحكومة أن تؤدي العبارات الفضفاضة في مشروع مواجهة النفوذ في إيران إلى شل حركة الجامعات والباحثين، حيث يصبح كل مؤتمر دولي أو تعاون إعلامي مغامرة غير مأمونة العواقب.
إن الصياغة الحالية للمشروع تفرض قيوداً مشددة تشمل:
- إلزامية إبلاغ وزارة الاستخبارات عبر منصة مخصصة قبل إجراء أي مقابلة مع وسائل إعلام أجنبية.
- اشتراط الحصول على ترخيص خطي من وزارة الخارجية قبل الاتصال بالسفارات والبعثات الدولية.
- فرض عقوبات تشمل الغرامات المالية والحرمان من الحقوق الاجتماعية في حال المخالفة.
ميزان القوى: بين وعود "عارف" وإصرار البرلمان
برز الخلاف إلى العلن حين تحدث محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس، عن وعود بسحب المشروع من جدول الأعمال، وهي تصريحات سارع نائب رئيس البرلمان، علي نيكزاد، إلى نفيها. هذا التضارب يعكس حالة من "الانسداد السياسي" المؤقت، حيث يحاول رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إمساك العصا من المنتصف؛ فهو يؤيد ضرورة وجود قانون دقيق لمكافحة التجسس، لكنه يحذر من صياغة تؤدي إلى "إغلاق البلاد".
من الناحية الدستورية، لا يزال المشروع في طور المخاض البرلماني، ولم يصل بعد إلى عتبة "مجلس صيانة الدستور" الذي سيفحصه بميزان الشريعة والدستور. وإذا ما احتدم الخلاف وتصلبت المواقف، فإن "مجمع تشخيص مصلحة النظام" سيكون هو القول الفصل، لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب دورة تشريعية لم تكتمل فصولها بعد.
الخاتمة: رؤية في فلسفة السيادة
إن الحفاظ على بيضة الوطن وصون سيادته من نفوذ الأغيار غاية نبيلة لا يختلف عليها اثنان، بيد أن الحكمة تقتضي ألا تتحول الدروع إلى سجون. إن مشروع مواجهة النفوذ في إيران يمر اليوم بمرحلة مخاض عسير، تتحدد نتيجته بمدى قدرة المشرع على التمييز بين "التواصل المشروع" الذي يغذي روح الأمة وعلمها، وبين "النشاط التخريبي" الذي يستهدف كيانها. فالأمم القوية هي التي تحمي حدودها بالعقل واليقظة، لا بالانكفاء والتحريم الذاتي.



اترك تعليقاً