عطش في رحاب الصمود: أزمة المياه في غزة ومخاض البقاء تحت وطأة الشح

عطش في رحاب الصمود: أزمة المياه في غزة ومخاض البقاء تحت وطأة الشح

عطش في رحاب الصمود: أزمة المياه في غزة ومخاض البقاء تحت وطأة الشح

هل تخيلت يوماً أن يغدو صوت "زامور" شاحنة مياه هو الإيقاع الوحيد الذي تضبط عليه مدينة كاملة نبضها؟ في غزة، لا يعلن هذا الصوت عن وصول بضاعة أو مرور عابر، بل هو نداء الحياة الأخير الذي يخرج المخيم عن بكرة أبيه من سكونه، لتنفتح الخيام وتشرع القِرب أفواهها في سباق محموم نحو قطرات قد لا تصل للجميع. إن أزمة المياه في غزة ليست مجرد نقص في الموارد، بل هي استنزاف للروح البشرية في أدنى متطلبات بقائها.

حكايا العطش: حين تصبح القِربة أثقل من الجبال

تقف السيدة فاطمة معروف، الأرملة التي تلملم جراحها منذ نوفمبر 2023، في طابور الانتظار تحت شمس لا ترحم. تحمل قِربتيها كمن يحمل قدره، لتصدم بعبارة صاحب الشاحنة: "ما إلك نصيب.. المي خلصت". هذه العبارة ليست مجرد اعتذار، بل هي حكم بالعطش على أربعة أطفال ينتظرون في الخيمة. تضطر فاطمة لقطع المسافات سيراً نحو محطات التحلية، لتبدأ معركة أخرى مع "المياه المالحة" المخصصة للتنظيف، في فصل حاد بين ماء الشرب وماء الحياة اليومية.

وفي مشهد آخر، يطوف المسن مصلح ياسين بين المحطات، لا يبحث عن رفاهية، بل عن جرعة ماء لحفيده الرضيع ولابنيه المصابين في المشفى. مصلح يمثل آلاف الغزيين الذين يواجهون عجزاً مادياً وعملياً؛ حيث تقف الشاحنات مشلولة بسبب نقص الزيوت وقطع الغيار، مما يجعل تدفق المياه أضعف من أن يروي ظمأ مدينة تنزف.

لغة الأرقام: قراءة في تقارير اليونيسيف والبلديات

خلف هذه الصور الإنسانية المفجعة، تكمن حقائق علمية وإحصائية ترسم ملامح الكارثة التي تعيشها المنطقة. إن لغة الأرقام هنا تتحدث بمرارة عن واقع أزمة المياه في غزة:

  • انعدام الأمن المائي: يعاني نحو 82% من الأسر في قطاع غزة من انعدام الأمن المائي.
  • شح الحصة الفردية: لا يستطيع 70% من السكان الوصول إلى الحد الأدنى من المياه (6 لترات للفرد يومياً)، وهو رقم ضئيل جداً مقارنة بالمعايير الدولية.
  • تدمير البنية التحتية: في مدينة غزة وحدها، تعمل 28 بئراً فقط من أصل 75 بئراً كانت تنبض بالحياة قبل الحرب.
  • شبكات متهالكة: تعرض نحو 150 ألف متر طولي من شبكات المياه للتدمير، مما حول الأرض إلى مصفاة تبتلع المياه قبل وصولها لمستحقيها.

الخزان الجوفي: الشريان الذي يختنق بالتلوث

تعتمد غزة حالياً بشكل رئيسي على المياه الجوفية، التي تمثل 63% من إجمالي الإمدادات، لكن هذا الاعتماد يشبه الاستدانة من رصيد مفلس. الخزان الجوفي الساحلي يواجه ضغطاً هائلاً نتيجة زيادة الضخ وضعف التغذية الطبيعية، مما يؤدي إلى تداخل مياه البحر وارتفاع الملوحة.

التلوث البيولوجي والكيميائي

تزداد وطأة الأزمة مع تعطل منظومة الصرف الصحي؛ حيث يُصرّف يومياً:

  1. 40 ألف متر مكعب من مياه الصرف غير المعالجة إلى البحر.
  2. 10 آلاف متر مكعب تتسرب إلى التربة عبر الحفر الامتصاصية.

هذا التسرب ليس مجرد تلوث بيئي، بل هو سموم تتسلل إلى المياه الجوفية، مما يرفع مخاطر التلوث البيولوجي ويجعل من شرب الماء مغامرة غير مأمونة العواقب.

تفاوت جغرافي وحلول معطلة

تظهر البيانات أن متوسط حصة الفرد ارتفع إلى 28 لتراً يومياً لجميع الاستخدامات بعد أن كان أقل من 5 لترات في بداية الحرب، إلا أن هذا الرقم لا يزال بعيداً عن حصة ما قبل الحرب (85 لتراً). كما يبرز التفاوت الجغرافي بوضوح:

  • شمال غزة: 40 لتراً للفرد.
  • مدينة غزة: 23 لتراً للفرد.
  • المنطقة الوسطى: 34 لتراً للفرد.

إن استعادة نبض الحياة في عروق غزة تتطلب حزمة متكاملة؛ تبدأ بتوفير الوقود وقطع الغيار لمحطات التحلية التي تراجعت قدرتها الإنتاجية إلى 40%، وصولاً إلى إصلاح الشبكات المدمّرة وإعادة تشغيل محطات المعالجة.

الخاتمة: نداء الأرض والماء

إن أزمة المياه في غزة هي صرخة في وجه الضمير الإنساني، وتذكير بأن الماء الذي نراه بديهياً في بيوتنا، يراه الغزيون معجزة تستحق العناء. إن الخزان الجوفي ليس مجرد طبقة جيولوجية، بل هو ذاكرة الأرض التي ترفض النضوب، لكنها تحتاج إلى يد تمتد بالإصلاح لا بالدمار. ستبقى غزة، رغم العطش، تبحث عن قطرة كرامة في بحر من التحديات، مؤكدة أن إرادة البقاء أقوى من جفاف الآبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *