ليل غزة المثقل بالروائح: حين يُستلب الهواء
هل يملك أحدٌ في هذا العالم حق مصادرة الأكسجين؟ في قطاع غزة، لم يكتفِ المحتل بحجب ضياء الشمس بأعمدة الدخان، بل أرسل مسيراته لتنفث سلاح الروائح الكريهة في صدور الآمنين، محولاً نسيم الليل إلى عبء ثقيل يطارد الناس في خيامهم المتهالكة وبيوتهم المثقوبة بالرصاص. استيقظ أهالي مدينة غزة مؤخراً على وقع "فقاعات متفجرة" في الهواء، لم تكن تحمل لهواً أو زينة، بل كانت مغلفاتٍ من القذارة المصنعة التي غطت أحياء الشجاعية والدرج والتفاح شرقاً، وصولاً إلى شاطئ البحر وبيت لاهيا غرباً.
هذه الفقاعات التي أطلقتها الطائرات المسيرة، تسببت في حالة من الإرباك النفسي والوساوس بين المواطنين؛ ففي ظل انعدام التحليل المخبري الفوري، بات كل شهيق يمثل تهديداً مجهولاً. يصف الصحفي يوسف فارس هذا المشهد المأساوي بأن الرائحة تغزو المنازل والخيام لدرجة تجعل المرء يتفقد أطفاله النيام ظناً منه أن مكروهاً أصابهم، ليتضح أن السماء هي التي تمطر نتانةً.
تاريخ القمع بالروائح: سائل "الظربان" وتكنولوجيا الإذلال
إن ما يشهده القطاع اليوم ليس وليد الصدفة، بل هو سلوك عسكري ممنهج يعيدنا إلى تاريخ استخدام ما يعرف بـ "سائل الظربان" (Skunk Water). هذا السائل هو ابتكار كيميائي صُمم ليحاكي أقذار الطبيعة في أبشع صورها، وقد استخدمته قوات الاحتلال في محطات عديدة:
- حي الشيخ جراح 2021: استُخدم لتفريق المتظاهرين وقمع صمودهم.
- مسيرات العودة 2018: رُشّت هذه المواد عبر طائرات مسيرة فوق الحشود في غزة.
- بلدة نعلين 2008: شهدت أول استخدام للمياه العادمة المصنعة ضد المدنيين.
ما هي الطبيعة الكيميائية لهذه المواد؟
وفقاً لخبراء صحة البيئة والسموميات، فإن هذه المادة تُصنف كـ "مياه عادمة مصنعة"، وهي مزيج كيميائي معقد يتكون من:
- مركبات كبريتية نفاذة: تعطي رائحة البيض الفاسد التي تلتصق بالأسطح.
- تركيبة براز مصنعة: تهدف إلى إثارة الغثيان والاشمئزاز الشديد.
- مواد كيميائية غير مستقرة: قد تسبب تهيجاً حاداً في الجيوب الأنفية والجهاز التنفسي.
الأثر الصحي: حين يتحول الإزعاج إلى خطر كارثي
لا يتوقف أثر سلاح الروائح الكريهة عند حدود الضيق النفسي، بل يمتد ليصبح خطراً صحياً يهدد الفئات الأكثر هشاشة. يوضح الناشط ياسر حماد أن المصابين بحساسية الجيوب الأنفية يعانون ضيقاً مضاعفاً يهدد حياتهم عند استنشاق هذه المواد.
ويحذر الدكتور رمزي صنصور، المستشار في علم السموميات، من أن هذه المواد التي تميل للون الأخضر قد تحمل مخاطر بعيدة المدى، منها:
- التشوهات والسرطانات: نتيجة التفاعلات الكيميائية للمواد الكبريتية مع البيئة المحيطة.
- الأمراض التنفسية المزمنة: خاصة لمرضى الربو والحساسية الحادة.
- التلوث البيئي المستدام: حيث تلتصق الرائحة بالمنازل والمحال التجارية لمدة قد تتجاوز الأسبوع، مما يجعل ممارسة الحياة الطبيعية أمراً مستحيلاً.
لغة الأرقام: فاتورة الدم المعمدة بالنتانة
تأتي هذه الحرب الكيميائية "المصغرة" في سياق إبادة جماعية شاملة، حيث توضح الإحصائيات الرسمية حجم المأساة التي يعيشها الإنسان الفلسطيني:
- 73,922 شهيداً: ارتقوا منذ بداية حرب الإبادة في أكتوبر 2023.
- 175,000 جريح ومصاب: يعانون في ظل منظومة صحية متهالكة.
- 1,402 شهيداً: سقطوا فقط نتيجة خروقات الاحتلال لاتفاق وقف إطلاق النار الأخير.
خاتمة: الهواء الذي لا يُهزم
إن إلقاء الفقاعات الكريهة فوق رؤوس المشردين في غزة ليس مجرد تكتيك عسكري، بل هو محاولة بائسة لكسر الروح المعنوية وتدنيس كرامة الإنسان في ملجئه الأخير. لكن غزة، التي اعتادت أن تصعد أرواح شهدائها إلى السماء بمسك الشهادة، لن تضيرها روائح الغدر التي ينفثها المحتل. سيبقى الهواء فلسطينياً، وستنجلي هذه الغمة الكريهة كما انجلت قبلها عواصف الرصاص، ليبقى الحق ناصعاً ببيانه، قوياً بأهله.



اترك تعليقاً