ميزان القسط: تجليات العدل في الإسلام بين استقامة القول ونزاهة الفعل

ميزان القسط: تجليات العدل في الإسلام بين استقامة القول ونزاهة الفعل

ميزان القسط: تجليات العدل في الإسلام بين استقامة القول ونزاهة الفعل

إن المتأمل في جوهر الرسالة المحمدية يدرك يقيناً أن العدل في الإسلام ليس مجرد فضيلة أخلاقية ثانوية، بل هو القطب الذي تدور حوله رحى الشريعة، والميزان الذي توزن به الأفعال والأقوال. لقد جاء الإسلام ليرسي دعائم القسط في الأرض، داعياً الفرد والمجتمع إلى التزام الحق والإنصاف، حتى في أحلك الظروف ومع أشد الخصوم؛ ذلك أن العدل في المنظور الإسلامي هو انعكاس لصفات الخالق سبحانه وتعالى، الذي حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرماً.

العدل إرادة إلهية ومنهج رباني

لقد قامت السماوات والأرض بالعدل، والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل الذي لا يجور في حكمه، ولا يظلم مثقال ذرة. إن تدبيره لشؤون خلقه، وأمره ونهيه، وخلقه وقدره، كل ذلك يمضي وفق صراط مستقيم ومنهج عدل مطلق. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:

«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» (سورة آل عمران، 3:18).

ويقول عز وجل آمراً نبيه والمؤمنين بالتمسك بهذا المبدأ:

«قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ…» (سورة الأعراف، 7:29).

رسالة الأنبياء وإقامة الميزان

لم يبعث الله سبحانه وتعالى الرسل والأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، إلا ليكونوا منارات للعدل وهداة للقسط. فبين أيديهم وضعت الموازين التي تضبط حركة الحياة، وتصون حقوق العباد. يقول الله عز وجل:

«لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ…» (سورة الحديد، 57:25).

والميزان في هذه الآية الكريمة هو الرمز الأسمى للعدل في الأقوال والأفعال؛ فبه تستقيم المعاملات، وبه تُحق الحقوق وتُبطل المظالم.

العدل المطلق: فوق العواطف والقرابات

إن شموخ العدل في الإسلام يتجلى في كونه عدلاً مجرداً عن الهوى، لا يتأثر بقرابة ولا ينحني لسطوة مال أو جاه. لقد أمر الإسلام المؤمن أن يكون شهيداً بالحق ولو على نفسه، في مشهد قمة في التجريد والنزاهة الإيمانية. يقول الله سبحانه وتعالى:

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا» (سورة النساء، 4:135).

الإنصاف مع الخصوم: ذروة السنام الأخلاقي

أين القوانين الوضعية والمذاهب البشرية من رقي الإسلام الذي ينهى عن الظلم حتى تجاه من ناصبونا العداء؟ إن الشنآن والبغضاء في ديننا لا تبرر الجور، بل إن التقوى الحقيقية هي التي تضبط لجام النفس عند الغضب لتقول الحق وتفعل العدل. يقول الله عز وجل:

«…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ» (سورة المائدة، 5:2).

ويؤكد سبحانه هذا المعنى في موضع آخر بقوله:

«…وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى…» (سورة المائدة، 5:8).

ثمرات العدل في استقرار المجتمعات

إن العدل هو الضمانة الوحيدة لصيانة الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والعرض، والمال. ومن دون القسط، تضطرب السكينة وتنتشر الفوضى. ولنا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة؛ فقد أرشد أصحابه للهجرة إلى الحبشة فراراً من الظلم، معللاً ذلك بأن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد، فكان العدل هو الملاذ الآمن للدعوة في مهدها.

  • العدل في الأسرة: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعدل بين الأبناء لغرس بذور المحبة والوئام.
  • العدل في الشهادة: قول الحق ولو كان مراً هو جوهر الإيمان.
  • العدل مع العدو: منع الاعتداء والجور حتى في حالات الصراع.

خاتمة

ختاماً، إن العدل في الإسلام ليس شعاراً يُرفع، بل هو ممارسة حية وعقيدة راسخة تنبثق من خشية الله ومراقبته. إنه الميزان الذي تشرق به شمس الحضارة وتأمن به الرعية. فاللهم اجعلنا من القوامين بالقسط، الشهداء بالحق، المتمسكين بهدي نبيك المصطفى صلى الله عليه وسلم، واجعل العدل لنا نبراساً في كل قول وعمل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *