مشروع الأقومة: نحو استئناف إبستمولوجيا الاهتداء بالقرآن الكريم وصناعة المعرفة الراشدة
إن الناظر في مآلات الفكر الإسلامي المعاصر يدرك أن إشكالية إنتاج المعرفة لم تكن يوماً مجرد ترف ذهني، بل هي معترك الوجود الحضاري الذي يستعيد سؤال العلاقة الجوهرية بين المرجعية الوحيانية وتشكيل المفاهيم والمناهج. وفي هذا الفضاء المعرفي الرحب، يبرز مشروع الأقومة الذي تطرحه الباحثة المغربية الدكتورة شيماء فوخري، كأطروحة رصينة تسعى لتحويل الاهتداء بالنص القرآني من مجرد وعظ تجريدي إلى أدوات معرفية إجرائية تسهم في تفسير الواقع وبناء العلوم.
جوهر مشروع الأقومة: من الهداية إلى المعرفة
يستمد مشروع الأقومة شرعيته ومنطلقه من الخصيصة القرآنية الكبرى التي نص عليها الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾ (الإسراء : 9). ومن هنا، تنحت الباحثة مصطلح "الأقومة" على وزن "أفعلة"، ليكون مشروعاً فكرياً يهدف إلى استعادة القدرة على الإنتاج الحضاري، بحيث تعود المعرفة الإسلامية رافداً حيوياً من روافد المعرفة الإنسانية الكونية.
إن "الأقومية" في الرؤية القرآنية تعني أن الوحي يتضمن في كل مجال من مجالات الحياة فكرة هي الأقوم والأرشد، ومهمة العقل المسلم هي الاهتداء بهذه الفكرة لإنتاج المعرفة واستنباط الأحكام وتوجيه غايات العلوم، لضمان ألا تضل المعرفة طريقها في تدمير الإنسان بدلاً من إقامة العمران.
نماذج من التراث: كيف اهتدى العقل المسلم بالوحي؟
تؤكد الدكتورة فوخري أن مشروعها ليس انقطاعاً عن التراث، بل هو استئناف لآلة عقلية جبارة اشتغلت في عهود الازدهار، ومن أبرز تجلياتها:
- نموذج الإمام الشافعي: حين واجه منكري السنة والقياس الذين استدلوا بقوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾ (النحل: 89)، وقوله سبحانه: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ (الأنعام:38). فكان جواب الشافعي بسؤال تأسيسي: "كيف البيان؟"، لينتهي إلى هندسة وسائط معرفية (السنة، الإجماع، القياس) تجلي معنى التبيان القرآني في واقع غير متناهٍ.
- نموذج العلامة ابن خلدون: الذي تلقى قوله تعالى: ﴿سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا﴾ (الفتح: 23) تلقياً مرجعياً، فدفعه ذلك لنقد كتب التاريخ وتأسيس علم "طبائع العمران" كأداة معرفية تثبت صدق السننية القرآنية في الواقع التاريخي.
- نموذج الإمام الشاطبي: الذي استقرأ المقاصد الضرورية والحاجية من القرآن الكريم، ثم أقام عليها الحجة العقلية بأنها مراعاة في كل ملة، مما حولها من نص شرعي إلى نظرية معرفية كونية.
إبستمولوجيا التصديق ومعايير الأقومية
يقوم مشروع الأقومة على ما تسميه الباحثة "إبستمولوجيا التصديق"، وهي السيرورة التي تبدأ بالتسليم بصدق مقتضيات الآية، ثم البحث في شروط إمكان تحقيقها في الواقع عبر وسائط معرفية. ولضبط هذه العملية، يقترح المشروع معيارين أساسيين للمفاضلة بين المعارف:
- الاستقامة: وهي السلامة البنيوية والمنطقية للمعطى المعرفي في ذاته.
- الإقامة: وهي قدرة المعرفة على إقامة الإنسان وحفظ العمران وتحقيق الحياة الطيبة.
إن هذا المعيار يتجاوز "العقلانية الأداتية" التي قد تنتج معرفة صحيحة في شكلها لكنها كارثية في مآلاتها، كما هو الحال في التقنيات المدمرة للإنسان والبيئة.
من الدفاع إلى التأسيس: تجاوز مرحلة "أسلمة المعرفة"
ترى الدكتورة شيماء فوخري أن مشروع "أسلمة المعرفة" كان ضرورة ظرفية لاستعادة الشخصية الإسلامية في وجه التغريب، لكنه استنفد أغراضه الدفاعية. والآن، وجب الانتقال من سؤال الدفاع الإيديولوجي: "كيف نجعل المعرفة إسلامية؟" إلى السؤال المعرفي التأسيسي: "كيف نجعل المعرفة أقوم؟".
إن المعرفة حين تكون "أقوم" فهي بالضرورة إسلامية في منطلقها، لكنها إنسانية وكونية في خطابها وأدلتها العقلية، مما يفتح باب الحوار الندي مع المنظومات المعرفية الأخرى، ويقدم للقرآن الكريم بوصفه هداية للعالمين كافة.
خاتمة: آفاق الأقومة في الفكر المعاصر
إن مشروع الأقومة هو دعوة لاستعادة العقل المسلم المؤيد بالوحي، العقل الذي لا يكتفي بالتدبر الوجداني، بل يحول الآيات إلى نظريات وأدوات قادرة على منافسة الأطروحات العالمية. إننا بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى معرفة لا تكتفي بالذكاء، بل تسترشد بالضياء، ليكون العلم خادماً للعمران لا معولاً لهدمه.
نسأل الله عز وجل أن يبارك في هذه الجهود العلمية، وأن يجعل القرآن الكريم لنا إماماً وهادياً في دروب المعرفة، إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً