آفاق الاجتهاد الحضاري: من ضيق الفروع إلى سعة المقاصد وبناء الأمة
إن المتأمل في جوهر الشريعة الغراء يدرك يقيناً أن حركة الاجتهاد الفقهي لم تكن يوماً حبيسة المتون الجامدة أو الأروقة المنعزلة، بل هي نبضٌ متدفق في عروق الدولة والمجتمع، وعلمٌ (ديناميكي) يستمد حيويته من ملامسته لواقع الناس وتطلعاتهم. إن حصر الفقه في دائرة التعليم الأكاديمي والمدارس الدينية، على جلالة قدره وأهميته في سلم التكوين، هو قصور في التصور؛ فالفقه في حقيقته هو التلاحم المصيري مع قضايا الإنسان والدولة، وهو الأداة الأمضى في صياغة الاجتهاد الحضاري الذي يبني المجتمعات ويصون كرامة البشرية.
صناعة الفقيه وبناء الملكة الاجتهادية
إن تكوين الفقيه المجتهد ليس نزهة فكرية، بل هو "صناعة ثقيلة" تتطلب مراساً طويلاً وتدريباً محكماً، وصولاً إلى مرحلة الإنتاج الفقهي الرصين الذي يتجلى في الفتاوى الجماعية والقرارات المجمعية. بيد أن استنباط الحكم ليس نهاية المطاف، بل تعقبه مراحل جوهرية لاختبار صحة الاجتهاد وعرضه على ميزان المقاصد الشرعية (الكبرى والكلية والخاصة والجزئية)، لضمان مواءمة المنتج الفقهي مع روح الشريعة.
مراتب النظر في النوازل المعاصرة
يمر الاجتهاد المتقن بمراحل دقيقة لضمان سلامة المخرج:
- التحقق من سوابق النظر: بالبحث في المسائل الإجماعية والظنية، والتمييز بين ما هو إجماع حقيقي وما هو مدعى.
- التكييف الفقهي: إلحاق النازلة ببابها الصحيح، أو التعامل معها كواقعة مستجدة تستوجب نظراً مبتكراً.
- التحذير من الجمود: إن الاكتفاء بالنقل الحرفي عن التراث دون مراعاة تغير الأحوال هو مسلكٌ حذر منه المحققون، كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
"من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل،.. وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم".
ميزان المقاصد: الحاكم على صحة الاجتهاد
لا يستقيم اجتهادٌ لا يتنفس من رئة المقاصد؛ فبعد استنطاق النصوص، يُعرض الرأي على مقاصد الشريعة القطعية، فإن وافقها استقر، وإن نبا عنها أعاد الفقيه النظر ليخرج باجتهاد أكثر مواءمة. إن صحة الاجتهاد لا تتوقف عند حدود فهم اللفظ، بل تمتد لتشمل التناغم مع المنظومة الكلية للشريعة القائمة على ميزان المصالح والمفاسد، وهو ما تجلى في اجتهادات الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم وأرضاهم.
مقاصد الخطاب ومقاصد الأحكام
تتطلب صيانة الاجتهاد وعياً بمرحلتين:
- مقاصد الخطاب: وهي سابقة للاستنباط، وتعني إدراك مراد الله سبحانه وتعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من السياق والقرائن، فآخذ الأمور ببادئ الرأي دون غوص في المعاني يفسد الفهم.
- مقاصد الأحكام: وهي اللاحقة للاستنباط، حيث يُقاس الحكم بمدى تحقيقه للغايات التي وُضع لأجلها.
مرتكزات الاجتهاد الحضاري المنشود
إن الاجتهاد الحضاري ليس مجرد توسيع للدائرة التشريعية، بل هو استصحاب للعلوم الإنسانية والاجتماعية والتقنية لفهم الواقع فهماً دقيقاً، تمهيداً لإصدار حكم شرعي يسهم في البناء الحضاري. ومن أهم منطلقاته:
أولاً: التمييز بين أدلة المشروعية وأدلة الوقوع
وهو ما أشار إليه الإمام القرافي رحمه الله تعالى، حيث فرّق بين أدلة الأحكام المحصورة، وبين أدلة وقوع الأحكام (المصالح والمفاسد) وهي غير محصورة. وقد أكد ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا التعليل بقوله:
"…. القرآن وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، … ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة".
ثانياً: فقه المآلات واعتبار العواقب
إن المجتهد الحذق هو من ينظر إلى ما يؤول إليه الحكم في الواقع، فقد يكون الشيء مشروعاً في أصله لكن تطبيقه يفضي إلى مفسدة، وهنا يبرز دور "اعتبار المآل". يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
"وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة".
ثالثاً: السياسة الشرعية الراشدة
وهي باب دقيق برع فيه الصحابة الكرام، وفسرها ابن عقيل رحمه الله تعالى بأنها: "ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا نزل به وحي، لكنه لم يخالف ما نطق به الشرع".
الخاتمة
إن الأزمات التي تكتنف الأمة اليوم تحتم على علمائنا الانتقال من "الاجتهاد الجزئي" إلى سعة الاجتهاد الحضاري؛ ذلك الاجتهاد الذي لا يتوقف عند كشف الحكم الفقهي فحسب، بل يمتد ليكون منارة للإصلاح، ومرآة تعكس وجه الإسلام المشرق الملتحم بالحياة. نسأل الله عز وجل أن يقيض لهذه الأمة فقهاءً يجمعون بين نور الوحي وعمق النظر في الواقع، ليعيدوا للأمة دورها الريادي في الاستخلاف والبناء.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا من حراس شريعتك وبناة حضارتك.



اترك تعليقاً