معهود العرب في فهم الخطاب القرآني: صيرورة المفهوم ومسارات التجديد المعرفي

معهود العرب في فهم الخطاب القرآني: صيرورة المفهوم ومسارات التجديد المعرفي

معهود العرب في فهم الخطاب القرآني: صيرورة المفهوم ومسارات التجديد المعرفي

يمثل الواقع في الوعي المعرفي حيزاً زمانياً ومكانياً تتخلق في أهابه المفاهيم، وتُشحن الألفاظ بالدلالات؛ فالواقع ليس فضاءً فيزيائياً لحركة الذوات فحسب، بل هو فضاء سيميائي تتحرك فيه المعاني وتنمو. إن العلاقة بين المفهوم والواقع هي علاقة جدلية بامتياز، يغير فيها الواقع وجه المفاهيم، وتصوغ فيها المفاهيم وجه الواقع، مما يجعل المفهوم شاهداً عدلاً على التاريخ المعرفي للسياق الذي أنتجه. ومن هنا، يبرز مفهوم معهود العرب كأحد الركائز الأساسية في آليات التلقي الإسلامي، نتاجاً لتفاعل العقل المسلم مع الوحي الإلهي من جهة، ومع إشكالات الواقع التاريخي من جهة أخرى.

ماهية معهود العرب: من الدلالة اللغوية إلى الاصطلاح الأصولي

إن البحث في ماهية الشيء لا يقف عند حدود التعريف اللفظي، بل ينفذ إلى كنه المفهوم ونشأته. فالسؤال عن "معهود العرب" هو بحث في "إبستمولوجيا المجتمع" أكثر منه بحثاً في "إيتيمولوجيا اللفظ".

  • في اللغة: يقول ابن فارس: «(عهد) العين والهاء والدال، أصل هذا الباب عندنا دالّ على معنى واحد، قد أومأَ إليه الخليل. قال: أصله الاحتفاظ بالشيء وإحداث العهد به. والذي ذكره من الاحتفاظ هو المعنى الذي يرجع إليه فروع الباب». وقال الزبيدي: «(الالتقاء، والمعرفة)، وعهد الشيء عهدا، عرفهُ». فالمعهود هو المعروف المحفوظ.
  • في الاصطلاح: هو اعتماد العرف اللغوي للعرب زمن التنزيل كمرجعية حتمية في فهم القرآن الكريم.

يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله-: «وإنما البحث المقصود هنا أن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلبُ فهمِهِ إنما يكونُ من هذا الطريقِ خاصّة (…) فمن أراد تفهّمه – يقصدُ القرآن- فمن جِهة لسان العرب يفهم، ولا سبيل إلى تطلّب فهمِه من غيرِ هذه الجهة».

لحظة التأسيس: الانتقال من العفوية إلى التقعيد مع الشافعي

قبل الإمام الشافعي -رحمه الله-، كان "معهود العرب" ممارسة عفوية منتمية إلى "اللاوعي المعرفي" للمتلقي العربي، حيث كان يفسر القرآن بسليقته اللغوية.

  • روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه «أنه سُئل على المنبر عن قوله تعالى: {أو يأخذهم على تخوف}، فقال له رجل من هذيل التخوف عندنا التنقص، ثم أنشده: تخوّف الرجل منها تامِكا قَرِدا كما تخوف عود النَّبْعَة السَّفَن، فقال عمر: أيها الناس تمسّكوا بديوان شعركم في جاهليتكم، فإنه فيه تفسير كتابكم».
  • عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إذا تعاجم شيء من القرآن، فـانظروا فـي الشعر، فإن الشعر عربـيّ».

بيد أن هذه العفوية تحولت مع الإمام الشافعي في كتابه "الرسالة" إلى تقعيد تأسيسي واعٍ، استجابةً لتحديات عصره، خاصة مع ظهور الحركة الشعوبية والزعم بأعجمية بعض ألفاظ القرآن. يقول الشافعي -رحمه الله-: «ومن جماع علم كتاب الله: العلمُ بأن جميع كتاب الله إنما نزل بلسان العرب». لقد كان هذا التقعيد درعاً لحماية المعنى القرآني من التأويلات المنفلتة.

لحظة الإنضاج: معهود العرب في النسق المقاصدي للشاطبي

إذا كان الشافعي قد أسس المفهوم انطلاقاً من سؤال: "كيف البيان؟"، فإن الإمام الشاطبي قد نقله إلى آفاق أرحب بسؤال غائي: "كيف وضع الشارع الشريعة للإفهام؟".

أدرج الشاطبي معهود العرب ضمن "مقصد الإفهام"، وعقلنة التكليف. فلم يعد المعهود مجرد ضابط لغوي، بل غدا ركناً في معقولية الشريعة وعموميتها.

  1. المعهود اللغوي: الشريعة عربية، فعلى أساليب العرب في خطابها تفهم.
  2. المعهود الثقافي: أمية الشريعة، بمعنى أنها لا تخرج عما ألفه الأميون العرب في معارفهم، ليكون الخطاب ميسراً للجمهور.

لقد انتقل المفهوم مع الشاطبي من كونه أداة لضبط اللسان إلى كونه وسيلة لتجلية العلاقة بين الشارع والمكلف، وتحقيق مقصد الإفهام العام.

آفاق الاستثمار: مواجهة إشكالات التاريخية وعالمية الخطاب

في اللحظة الراهنة، يواجه مفهوم معهود العرب تحديات جديدة، حيث يُعاد توظيفه في بعض القراءات الحداثية للقول بـ "تاريخية النص"، وحصر دلالاته في الأفق الثقافي للعربي الأول.

إننا أمام منعطف يتطلب تمييزاً دقيقاً بين وظيفتين:

  • الوساطة اللسانية: حيث يظل لسان العرب هو المفتاح الحتمي لفك شفرات النص وضبط دلالاته.
  • الحاكمية الثقافية: وهي ما يجب الحذر منه؛ إذ لا يعني نزول القرآن بلسان العرب أن تظل معارفه وسقفه المعرفي حبيس ثقافة العربي زمن التنزيل.

إن استئناف النظر في هذا المفهوم يفتح الباب لما يمكن تسميته بـ "معهود القرآن في الخطاب"؛ وهو البحث في النظام الدلالي الخاص الذي أنشأه القرآن لنفسه، والذي يتجاوز المعهود العربي دون أن ينقضه، محققاً بذلك عالمية الرسالة وخلود الهداية.

خاتمة المقال

إن المفاهيم أجساد لغوية نابضة، تختزن في أعماقها ذاكرة الأمة وتعرجات عقلها المعرفي. ومعهود العرب ليس قيداً تاريخياً، بل هو ميزان لغوي ومنطلق مقاصدي. إن الوفاء لهذا المفهوم لا يكون بالوقوف عند حرفية ما قيل فيه قديماً، بل بإنضاجه واستنطاقه ليجيب عن أسئلة العصر، وليظل القرآن الكريم -كما أراده الله عز وجل- هدىً للناس كافة، بلسانٍ عربيٍ مبين، ومعانٍ ربانيةٍ لا تنقضي عجائبها.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وفقهنا في دينك، واجعلنا ممن يحسنون فهم كتابك والعمل بمقتضاه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *