لعنة غزة: حين ترتد رياح الحرب على عروش نتنياهو وترمب
هل يمكن لقطاع محاصر، أثخنته الجراح وأنهكه العدوان، أن يعيد رسم خارطة القوى العظمى ويقلب طاولات السياسة في واشنطن وتل أبيب؟ إن ما نسميه اليوم "لعنة غزة" ليس تعبيراً ميتافيزيقياً، بل هو حقيقة سياسية واقتصادية تجلت في صناديق الاقتراع، حيث تحولت أصداء القذائف في غزة إلى صفعات انتخابية مدوية طالت وجوه القادة الذين راهنوا على الدم للبقاء في السلطة.
فاتورة الحرب: حين يكتب الرصاص ميزانية البيت الأبيض
بالنسبة للناخب الأمريكي، الذي رفع يوماً شعار "أمريكا أولاً"، لم تكن مغامرات الشرق الأوسط سوى استنزاف لمقدراته. لقد أدرك المواطن البسيط أن البوارج وحاملات الطائرات التي تمخر عباب المتوسط لا تحمل له سوى الغلاء.
لقد جرت الانتخابات النصفية على وقع ضجيج السلاح، فكانت النتائج كمرآة عاكسة لهذا الغضب:
- أسعار الوقود: دفع الناخب رقماً قياسياً لغالون البنزين، وهو يدرك أن لهيب الحرب في غزة والشرق الأوسط هو المحرك الأول لهذا الارتفاع.
- سلاسل الإمداد: تأثرت الملاحة والطاقة والأسمدة، مما جعل "لقمة العيش" هي الورقة الانتخابية الأقوى.
- التحول السياسي: نقل قسم وازن من الجمهوريين ثقتهم، رافضين الانزلاق نحو حرب طويلة الأمد قد تستخدم فيها أسلحة "النووي التكتيكي".
نتنياهو: طاووس بلا ريش في مهب الكنيست
إذا كان ترمب قد خرج من المعركة كـ "بطة عرجاء"، فإن نتنياهو في انتخابات الكنيست الـ26 بدا كـ "طاووس بلا ريش". لقد سقطت أسطورة "سيد الأمن" تحت أقدام صمود غزة، وتكشفت صورته أمام الرأي العام كسياسي مقامر يضحي بأمن مواطنيه من أجل نرجسيته السياسية.
إن كلفة حروب نتنياهو العبثية لم تكن معنوية فحسب، بل تجسدت في واقع مرير:
- الاستنزاف البشري: احتجاز مئات آلاف جنود الاحتياط على خطوط المواجهة لأكثر من ثلاث سنوات، مما أصاب النسيج الاجتماعي والاقتصادي في مقتل.
- انعدام الأمن الفردي: تؤكد استطلاعات الرأي الرزينة أن الغالبية العظمى من الإسرائيليين فقدوا الإحساس بالأمان الجماعي.
- تصدع التحالفات: بوادر تفسخ الائتلاف اليميني بدأت تلوح مع جنوح أطراف مثل "يهودوت هاتوراه" للتغريد خارج السرب.
حذر الواثق: الذئب الجريح لا يزال يملك مخالب
رغم هذه الصفعة الانتخابية، إلا أن الحكمة تقتضي ألا يغرق المرء في نشوة النصر. فالذئب الجريح أشد خطورة على فرائسه من الذئب السليم. إن ترمب، المسكون بـ "الأنا المتضخمة"، بات اليوم متحرراً من قيود الانتخابات، مما قد يدفعه لارتكاب حماقات عسكرية قبل رحيله في يناير المقبل.
أما نتنياهو، الساحر الذي بدأت أوراقه في النفاد، فسيحاول شيطنة الخصوم والطعن في النتائج، وربما الهروب نحو حرب جديدة ضد إيران لإعادة خلط الأوراق. لقد قامر الرجل حتى بالمساعدات الأمريكية السنوية البالغة 4 مليارات دولار ليدعم حليفه الانتخابي، وهو اليوم مستعد لحرق المنطقة بأكملها ليبقى في سدة الحكم.
الخاتمة: ترياق الشعوب لا يأتي من عواصم الساسة
إن لعنة غزة التي طاردت هؤلاء القادة هي درس بليغ في سنن التاريخ؛ فالدماء التي أريقت لم تذهب سدى، بل تحولت إلى وعي عالمي يرفض الإبادة والتطهير. ومع ذلك، يجب أن ندرك أن التغيير الحقيقي لا يأتي بانتظار "ترياق" من واشنطن ديمقراطية أو تل أبيب بلا نتنياهو؛ فالفوارق بين المعسكرات تظل طفيفة حين يتعلق الأمر بالاستراتيجيات الكبرى. يبقى الرهان الحقيقي على صمود الشعوب وأشواقها للحرية، فهي القوة الوحيدة القادرة على إخراج الطغاة من مسرح التاريخ، مجللين بعار أفعالهم.



اترك تعليقاً