الأمن الأوروبي في مهب الرياح القادمة من واشنطن: صراع السيادة والصفقات الكبرى
هل يمكن للبيت الأبيض أن يرسم حدود الطمأنينة في القارة العجوز دون أن يستأذن أصحاب الدار؟ هذا السؤال الجوهري يتردد اليوم في أروقة بروكسل، حيث تلوح في الأفق بوادر شقاق دبلوماسي عميق حول مفهوم الأمن الأوروبي. فالقارة التي شهدت ويلات الحروب الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام محاولة أمريكية لإعادة تعريف "هيكلتها الأمنية"، في مشهد يمزج بين طموحات الصفقات الكبرى وحقائق الجغرافيا السياسية المتجذرة.
بروكسل ترفض الوصاية: السيادة فوق طاولة المفاوضات
أعلنت كايا كالاس، المسؤولة عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، موقفاً حازماً يعكس رغبة القارة في امتلاك زمام أمرها. إن الأمن الأوروبي ليس مساحة فارغة تنتظر من يملؤها، بل هو كيان قائم على معاهدات دولية والتزامات متبادلة. وترى كالاس أن المشكلة لا تكمن في غياب المنظومة، بل في الانتهاكات الروسية المتكررة لتلك المواثيق التي تشكل ركيزة الاستقرار.
وتؤكد القيادة الأوروبية على ثوابت لا تقبل القسمة:
- الناتو درع لا يهدد: ظل حلف شمال الأطلسي، ولا يزال، منظومة دفاعية لم تشكل تهديداً لروسيا في أي مرحلة.
- رفض الفيتو الروسي: لا يملك الكرملين حق النقض في تقرير مصير الترتيبات الأمنية للقارة.
- حتمية المشاركة الأوروبية: أي اتفاق دولي يخص القارة يظل حبراً على ورق ما لم يكن الاتحاد الأوروبي طرفاً أصيلاً في صياغته وتنفيذه.
طموحات واشنطن: "المنظومة الأوسع" والصفقة الكبرى
على الجانب الآخر من الأطلسي، يتحرك ماركو روبيو وجاريد كوشنر وفق رؤية تتبناها إدارة الرئيس دونالد ترمب، تهدف إلى إرساء "منظومة أمنية أوروبية أوسع". هذه الرؤية تشبه محاولة إعادة بناء قصر تاريخي بأسلوب عصري؛ فهي تسعى لتوفير ظروف سلام دائم عبر اتفاقات قد تشمل روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا.
ويرى كوشنر أن واشنطن أحرزت تقدماً في نقاشاتها مع القادة الأوروبيين حول ضرورة هذا الهيكل الجديد، وهو ما يمهد لمحادثات مرتقبة ستجري في أبو ظبي، تتوسط فيها الولايات المتحدة بين موسكو وكييف.
محطات حاسمة على رقعة الشطرنج الدولية
تتسارع الخطى الدبلوماسية في الأيام القليلة القادمة، حيث تبرز تواريخ ومحطات ستشكل ملامح المرحلة المقبلة:
- 8 – 10 نوفمبر: زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى باريس للمشاركة في اجتماع مجموعة السبع.
- 10 – 11 نوفمبر: انطلاق محادثات روسية أوكرانية في أبو ظبي بوساطة أمريكية.
- زخم المفاوضات: شهدت التحركات الدبلوماسية تسارعاً ملحوظاً عقب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، مع تنسيق مستمر بين واشنطن وبرلين.
الكرملين والترقب الحذر
رغم الضجيج الدبلوماسي القادم من واشنطن، خفضت روسيا سقف توقعاتها. فالكرملين يرى أن أوروبا لم تعين حتى الآن مفاوضاً يمثلها، ولم تظهر استعداداً حقيقياً لمناقشة مستقبل الأمن في القارة. هذا البرود الروسي يعكس تعقيد المشهد؛ فالوصول إلى اتفاق "كبير جداً" كما وصفه ترمب، يتطلب توازناً دقيقاً بين مطالب موسكو الأمنية وسيادة الدول الأوروبية.
خاتمة: سلام العظماء أم صراع الإرادات؟
إن الأمن الأوروبي اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يولد من رحم التوافق بين ضفتي الأطلسي، وإما أن يتحول إلى ساحة للتجاذب تضعف منعة القارة. إن بناء السلام المستدام يشبه بناء السدود العظيمة؛ يحتاج إلى هندسة دقيقة تراعي تدفقات المصالح وقوة الصمود أمام عواصف الأزمات. ويبقى السؤال معلقاً في فضاء باريس وأبو ظبي: هل ستنجح الدبلوماسية في حياكة ثوب أمني يسع الجميع، أم أن تضارب الرؤى سيمزق نسيج الاستقرار الهش؟



اترك تعليقاً