مقدمة: مأساة إنسانية تتفاقم
في مشهد يدمي القلوب، تكررت صور التدافع اليائس لآلاف الفلسطينيين الجوعى أمام مراكز توزيع المساعدات في قطاع غزة المحاصر. هذه المشاهد ليست مجرد حوادث مؤسفة، بل هي تجسيد صارخ للمعاناة الإنسانية المتفاقمة التي يعيشها سكان القطاع تحت وطأة الحصار والقيود المفروضة على دخول المساعدات.
الميناء العائم ومؤسسة غزة الإنسانية: حلول أم ذر للرماد في العيون؟
بعد فشل مشروع "الميناء العائم"، الذي روجت له إسرائيل والولايات المتحدة كحل مبتكر لإدخال المساعدات، ظهرت مبادرة "مؤسسة غزة الإنسانية (GHF)" كحل بديل. لكن هذه المبادرة، التي تديرها جهات أمريكية وإسرائيلية، أثارت تساؤلات جوهرية حول مدى حيادها واستقلالها وقدرتها على تلبية الاحتياجات الإنسانية الحقيقية في غزة.
القانون الدولي الإنساني: مسؤولية الاحتلال والتزاماته
بموجب القانون الدولي الإنساني، تُعد إسرائيل قوة احتلال في غزة، رغم انسحابها الظاهري عام 2005، وذلك بسبب استمرار سيطرتها على الحدود والمعابر. هذه الصفة تُحملها مسؤولية تأمين احتياجات السكان المدنيين، بما في ذلك إدخال المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ ودون عوائق.
المبادئ الإنسانية الأربعة: هل يتم احترامها؟
تستند عمليات الإغاثة الدولية إلى أربعة مبادئ إنسانية أساسية:
- الإنسانية: تخفيف المعاناة الإنسانية حيثما وُجدت.
- الحياد: عدم الانحياز إلى أي طرف في النزاع.
- عدم التحيز: تقديم المساعدة على أساس الحاجة وحدها، دون تمييز.
- الاستقلالية: الحفاظ على استقلالية العمل الإنساني عن الأهداف السياسية والعسكرية.
مؤسسة غزة الإنسانية: انتهاكات للمبادئ الإنسانية
تواجه مؤسسة غزة الإنسانية انتقادات حادة لانتهاكها هذه المبادئ الأساسية:
- الاستقلالية: تعتمد المؤسسة على تنسيق أمني إسرائيلي يشرف على كل تفصيل، مما يقوض استقلاليتها.
- الحياد وعدم التحيز: تخضع المؤسسة المستفيدين من المساعدات لـ "تدقيق أمني" للتحقق من عدم وجود صلات محتملة بحماس، مما يشكل تمييزًا سياسيًا.
- الإنسانية: تقدم المؤسسة مساعدات محدودة للغاية لا تفي بالاحتياجات الهائلة في غزة.
انتقادات أممية ودولية: "تسليح للمساعدات"
انتقدت الأمم المتحدة وجمعيات دولية برنامج مؤسسة غزة الإنسانية ووصفته بأنه غير شفاف وغير كافٍ، مؤكدة أنه لن يلبي الاحتياجات واسعة النطاق في غزة. واعتبر مسؤولون أمميون أن هذه "المساعدات" ليست سوى ورقة توت لتغطية أهداف عسكرية وسياسية، وأنها تجعل إيصال الغذاء مشروطًا بالأهداف السياسية والأمنية الإسرائيلية، بحيث يتحول "التجويع إلى ورقة مساومة".
استقالة المدير التنفيذي: دليل على الاختلالات
استقالة المدير التنفيذي لمؤسسة غزة الإنسانية، جيك وود، دليل قاطع على الاختلالات الجوهرية في هذه المبادرة. وأكد وود أنه وجد استحالة في تحقيق أهداف المؤسسة مع "الالتزام الصارم بالمبادئ الإنسانية من إنسانية وحياد وعدم انحياز واستقلال".
الفوضى في رفح: تجسيد لفشل الخطة
أكدت مشاهد الفوضى التي شهدها مركز توزيع المساعدات في رفح مخاوف المراقبين من أن الخطة تفتقر لمقومات الحياد والسلامة، وتضع المدنيين في خطر، في ظل تهميش متعمد للوكالات الدولية التقليدية.
الميناء العائم: فشل آخر يضاف إلى السجل
لم يكن حال "الميناء البحري العائم" أفضل من مؤسسة غزة الإنسانية، فقد انهار فعليًا في أبريل 2025، حين جرفت العواصف منشآته الأولية، تزامنًا مع فضائح تتعلق بتضارب الصلاحيات وغياب التنسيق.
أهداف أعمق: إعادة تغليف الحصار وتقنين التجويع
يرى مراقبون أن هذه الخطط تسعى إلى "إعادة تغليف الحصار وتقنين التجويع"، في صورة مشروع إنساني، حيث يُستخدم الغذاء كأداة إخضاع لدفع السكان نحو النزوح عبر إنهاكهم الجسدي والنفسي.
شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية: تحذيرات من التحكم الكامل
حذرت شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية من أن إسرائيل تسعى إلى التحكم الكامل في توزيع المساعدات، وإسكات الأصوات التي توثق الانتهاكات، معتبرة أن هذه السياسات تتزامن مع تصاعد الجرائم إلى حد الإبادة.
تورط الحكومة الإسرائيلية: محاولات إخفاء الدور
كشفت تحقيقات صحفية أن خطة مؤسسة غزة الإنسانية وُلدت من داخل الحكومة الإسرائيلية، التي حاولت إخفاء دورها عبر واجهات خيرية أجنبية.
سياسات التجويع والتهجير: جرائم ضد الإنسانية
تعتبر منظمات دولية مرموقة أن سياسات التجويع والتهجير القسري والتدمير الجماعي للبنى التحتية والمدنيين في غزة ترقى إلى جريمة إبادة جماعية محتملة.
كيف يمكن للجاني أن يتقمص دور المنقذ؟
يثير الوضع الحالي تساؤلات جوهرية حول مدى مصداقية الخطط الإنسانية التي تطرحها إسرائيل، في ظل اتهامها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
آفاق المستقبل: نحو تحصين العمل الإنساني
تُعد تجربة مؤسسة غزة الإنسانية نموذجًا تحذيريًا لما قد يحدث حين تُختطف المبادئ الإنسانية وتُدار الإغاثة كأداة في يد المحتل. لكن هذا الفشل بحد ذاته يفتح نوافذ مستقبلية يمكن البناء عليها، أبرزها:
- تعزيز دور الوكالات الأممية المحايدة: يجب دعم الأونروا وغيرها من الوكالات الأممية ذات الخبرة في العمل الإنساني في غزة، وتمكينها من القيام بدورها دون تدخل أو قيود.
- ضمان استقلالية العمل الإنساني: يجب حماية العمل الإنساني من التسييس والتدخلات الأمنية، وضمان وصول المساعدات إلى المحتاجين دون تمييز أو شروط.
- المساءلة والمحاسبة: يجب محاسبة المسؤولين عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني في غزة، وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.
الخلاصة: الحاجة إلى حلول حقيقية
إن الوضع الإنساني في غزة يتطلب حلولًا حقيقية وجذرية، لا مجرد مبادرات شكلية تهدف إلى تجميل صورة الاحتلال والتغطية على جرائمه. يجب على المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته تجاه الشعب الفلسطيني، وأن يعمل على رفع الحصار المفروض على غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ ودون عوائق، وتمكين الفلسطينيين من العيش بكرامة وأمان.


اترك تعليقاً