جبل المشارف: شاهد على تاريخ القدس ومطمع للاحتلال
يطل جبل المشارف (Mount Scopus) على مدينة القدس المحتلة من الشمال الشرقي، شاهداً على تاريخ المدينة العريق وموقعاً استراتيجياً طالما كان مطمعاً للغزاة والمحتلين. هذا الجبل، الذي يرتفع حوالي 850 متراً فوق سطح البحر، ليس مجرد معلم جغرافي، بل هو رمز للصراع الدائر حول هوية القدس وتاريخها.
موقع استراتيجي وتاريخ حافل
يعد جبل المشارف امتداداً طبيعياً لجبل الزيتون، يفصل بينهما منخفض "عقبة الصوانة". يمتد الجبل من شمال مخيم شعفاط وصولاً إلى جبل الزيتون، ويفصله عن مدينة القدس وادي الجوز. وقد اكتسب الجبل أهميته التاريخية والاستراتيجية من موقعه المشرف على المدينة، مما جعله محطة للجيوش الغازية على مر العصور، بدءاً من القائد الروماني تيطس عام 70م، وصولاً إلى الصليبيين.
يعود اسم "المشارف" إلى إشرافه على مدينة القدس وطريق "القدس-رام الله"، بينما كلمة "سكوبس" فهي يونانية تعني "الملاحظ" أو "المشاهد". ويُعرف الجبل بالعبرية باسم "هار هتسوفيم".
مخططات التهويد والاستيطان
منذ أواخر القرن التاسع عشر، سعت الحركة الصهيونية إلى السيطرة على جبل المشارف، مستغلة موقعه الاستراتيجي. وقد تجسد هذا السعي في إنشاء مبانٍ ضخمة مثل الجامعة العبرية ومستشفى هداسا، اللذين أصبحا معلمين بارزين على الجبل.
بعد حرب 1948، أصبح الجبل منطقة مطوقة ومعزولة داخل الأراضي التي كانت تخضع للسلطة الأردنية، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة. وبعد حرب 1967، ضم الاحتلال الإسرائيلي جبل المشارف إلى حدود بلدية القدس، مما فتح الباب أمام المزيد من المشاريع الاستيطانية والتهويدية.
معالم جبل المشارف: بين التاريخ والتطويع
يضم جبل المشارف العديد من المعالم التي تعكس تاريخه المعقد والصراع الدائر حوله:
- مستشفى هداسا: أسسته منظمة هداسا الصهيونية النسائية الأميركية، وهو اليوم سادس أكبر مركز طبي في إسرائيل. تأسس المستشفى في عام 1934، ولكنه أصبح تحت السيطرة الأردنية بعد حرب 1948. وبعد إنشاء فرع بديل للمستشفى في قرية عين كارم المهجرة، أصبح مستشفى هداسا في جبل المشارف رمزاً للسيطرة الإسرائيلية على القدس الشرقية.
- الجامعة العبرية: تأسست عام 1918 وافتتحت رسمياً عام 1925، وهي أول جامعة في فلسطين تعلم باللغة العبرية. تتربع الجامعة على عرش المؤسسات الأكاديمية في إسرائيل، وقد تخرج منها العديد من الشخصيات البارزة، وتصنف ضمن أفضل الجامعات على مستوى العالم.
- مقبرة جبل المشارف: تضم رفات 2515 جندياً من دول مختلفة، إضافة إلى نصب تذكاري لـ 3300 جندي آخرين. تقام في المقبرة مراسم إحياء ذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، مما يعكس البعد الاستعماري لتاريخ الجبل.
- المحجر الأثري: اكتشفته هيئة الآثار الإسرائيلية، وزعمت أنه يعود إلى عهد الهيكل الثاني المزعوم. يثير هذا الاكتشاف مخاوف بشأن محاولات إسرائيل لتزييف التاريخ وتطويعه لخدمة روايتها التهويدية.
التهويد المستمر: تهديد لهوية القدس
تواصل إسرائيل جهودها لتهويد جبل المشارف والقدس الشرقية بشكل عام، من خلال بناء المستوطنات وتوسيعها، وتغيير المعالم التاريخية، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم وممتلكاتهم.
إن الحفاظ على هوية جبل المشارف وتاريخه العريق يتطلب جهوداً متضافرة من المجتمع الدولي والمؤسسات الفلسطينية والعربية، من أجل حماية القدس من التهويد والاستيطان، وضمان حقوق الفلسطينيين في المدينة المقدسة.


اترك تعليقاً