عكس مسار كيسنجر: هل ينجح ترامب في فصل روسيا عن الصين؟

عكس مسار كيسنجر: هل ينجح ترامب في فصل روسيا عن الصين؟

مقدمة: هل التاريخ يعيد نفسه؟

في صيف عام 1971، قام هنري كيسنجر برحلة سرية إلى بكين، مُحدثًا تحولًا جذريًا في توازن القوى العالمية. اليوم، يتساءل البعض عما إذا كان الرئيس ترامب يسعى لتكرار هذه المناورة التاريخية، ولكن في اتجاه معاكس، عبر محاولة إبعاد روسيا عن الصين. فهل هذه الاستراتيجية ممكنة في ظل الظروف الجيوسياسية الحالية؟

"الإسفين الاستراتيجي" الأصلي: قصة نجاح كيسنجر

في بداية السبعينيات، كانت الصين تعيش عزلة دولية وتوترًا حادًا مع الاتحاد السوفياتي. استغل كيسنجر هذا الوضع لفتح قناة اتصال سرية مع بكين، مما أدى إلى زيارة نيكسون التاريخية عام 1972. كان الهدف من هذا التقارب هو تحييد الصين ومنع أي تحالف مستقبلي بينها وبين الاتحاد السوفياتي، بينما رأت الصين في الولايات المتحدة حليفًا تكتيكيًا لمواجهة التهديد السوفياتي.

"عكس كيسنجر": هل هي مجرد محاولة لتقليد الماضي؟

اليوم، يحاول ترامب اتباع استراتيجية "عكس كيسنجر" من خلال التقارب مع روسيا وإبعادها عن الصين. لكن هل هذه المحاولة واقعية؟ وهل الظروف الجيوسياسية الحالية تسمح بتحقيق هذا الهدف؟

لماذا نجحت استراتيجية كيسنجر؟

  • الخلافات الصينية السوفياتية: كانت العلاقات بين الصين والاتحاد السوفياتي متوترة للغاية، ووصلت إلى حد الاشتباكات العسكرية.
  • العزلة الدولية للصين: كانت الصين تعاني من عزلة دولية بسبب الثورة الثقافية.
  • الحاجة الصينية للتكنولوجيا والاستثمارات: كانت الصين بحاجة ماسة إلى التكنولوجيا والاستثمارات الغربية.
  • تورط الولايات المتحدة في حرب فيتنام: كانت الولايات المتحدة تبحث عن مخرج مشرف من حرب فيتنام.
  • الرأي العام الأميركي: كان الرأي العام الأميركي مستعدًا لتقبل التقارب مع الصين بسبب الإرهاق من حرب فيتنام.

لماذا قد تفشل استراتيجية "عكس كيسنجر"؟

  • العلاقات الروسية الصينية القوية: العلاقات بين روسيا والصين اليوم قوية ومتينة، وتقوم على أسس براغماتية ومصالح مشتركة.
  • تعزيز العلاقات الاقتصادية: نمت العلاقات الاقتصادية بين البلدين بشكل ملحوظ، مع تزايد حاجة الصين إلى مصادر الطاقة الروسية، واعتماد روسيا على الصادرات إلى الصين.
  • التعاون العسكري والأمني: ازدادت وتيرة التدريبات العسكرية المشتركة بين البلدين، بالإضافة إلى التعاون في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والأمن السيبراني والفضاء.
  • الرؤى المتقاربة حول النظام الدولي: تتقارب رؤى موسكو وبكين حول النظام الدولي، وتسعيان إلى بناء تحالفات وبنى مؤسسية موازية للبنى الغربية.
  • عدم وجود بديل جذاب لروسيا: لا يوجد لدى ترامب ما يعوض به روسيا عن علاقتها مع الصين، فموسكو ليست بحاجة إلى اعتراف دولي أو إنقاذ من جار قوي، بل معركتها اليوم مع الغرب نفسه.

أوكرانيا: نقطة تحول في العلاقات الروسية الغربية

أدت الأزمة الأوكرانية إلى تعزيز التحالف بين روسيا والصين، حيث ساعدت الصين روسيا على تجاوز العقوبات الغربية. وفي الوقت نفسه، دعمت الصين روسيا في المجال المالي والنقدي، مما قلل من تأثير العقوبات المالية الغربية.

التحديات الجيوسياسية التي تواجه التحالف الروسي الصيني

على الرغم من قوة التحالف الروسي الصيني، إلا أن هناك بعض التحديات الجيوسياسية التي تواجهه:

  • التناقضات الجيوسياسية: هناك تناقضات بين الضرورات الجيوسياسية للبلدين، حيث تركز روسيا على تأمين العمق الغربي لحدودها، بينما تركز الصين على الانعتاق البحري شرقا.
  • التباينات الثقافية: لا توجد صلات عميقة بين الشعبين الروسي والصيني، كما أن الأصول البعيدة للحضارتين الصينية والسلافية تختلفان جذريًا.
  • التباين في العقليات الاستراتيجية: تختلف العقليات الاستراتيجية الصينية والروسية من حيث تحديد أولويات الانتشار الخارجي وطرق بسط النفوذ.

هل هناك فرصة لنجاح ترامب؟

على الرغم من التحديات، إلا أن هناك بعض العوامل التي قد تساعد ترامب على تحقيق بعض النجاح في محاولته لإبعاد روسيا عن الصين:

  • الخلافات داخل التحالف الغربي: بدأت الخلافات تظهر داخل التحالف الغربي حول حدود الدعم الذي يجب تقديمه لأوكرانيا، مما قد يعطي بوتين دفعة معنوية للاستمرار في حربه.
  • عدم رغبة ترامب في الانخراط في الحرب في أوكرانيا: قد يكون ترامب على استعداد لتقديم تنازلات لروسيا من أجل إنهاء الحرب في أوكرانيا، مما قد يخلق فرصة للتقارب بين البلدين.

الخلاصة: محاولة لعكس حركة التاريخ

في النهاية، تبدو محاولة احتواء موسكو أميركيا وعزلها عن بكين محاولة لعكس حركة التاريخ. فالعلاقات الروسية الصينية اليوم قوية ومتينة، وتقوم على أسس براغماتية ومصالح مشتركة. وعلى الرغم من وجود بعض التحديات التي تواجه هذا التحالف، إلا أنه من غير المرجح أن ينجح ترامب في تفكيكه.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *