مقدمة:
شهدت الأيام الأخيرة تحركات شعبية واسعة النطاق، تمثلت في قوافل متجهة نحو قطاع غزة المحاصر، في محاولة لكسر الحصار المفروض عليه. هذه القوافل، التي انطلقت من تونس ومختلف أنحاء العالم، اعتبرها محللون وقادة سياسيون بارزون بمثابة تحول تاريخي وبداية لكسر جدار الصمت العربي تجاه ما يحدث في غزة من مآسٍ وجرائم.
ردود فعل دولية غاضبة:
أثارت هذه التحركات ردود فعل غاضبة من قبل إسرائيل، حيث قامت البحرية الإسرائيلية باعتراض سفينة "مادلين" المتجهة إلى غزة، وهو ما وصفته اللجنة الدولية لكسر الحصار بـ "القرصنة وإرهاب الدولة". كما أدانت تركيا الحادثة بشدة، واعتبرتها "عملا شنيعا" يعكس الفاشية الإسرائيلية، بينما دعت دول أوروبية إلى حماية النشطاء والإفراج الفوري عنهم.
رسالة القوافل وصلت رغم الاعتراض:
أكد الدكتور مصطفى البرغوثي، الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية، أن اعتراض السفينة "مادلين" يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان، إلا أنه أشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي فشل في تحقيق هدفه، لأن السفينة أوصلت رسالتها وجذبت أنظار العالم إلى مأساة غزة.
دعوات لاتخاذ إجراءات ملموسة:
وشدد البرغوثي على ضرورة اتخاذ الحكومات العربية إجراءات ملموسة، تتجاوز الإدانات اللفظية، وتشمل فرض المقاطعة، وقطع العلاقات مع إسرائيل، وإلغاء التطبيع. وأكد أن هذه اللحظة تشهد بداية تحول تاريخي لا رجعة فيه.
تحرك شعبي يسبق الحكومات:
أشار البرغوثي إلى أن الشعوب بدأت تتحرك بقوافل بشرية تتوجه إلى معبر رفح، وأن هذه الاستجابة الشعبية تمثل شرارة انطلاق لحراك طويل الأمد لربط غزة بالعالم عبر جسر تضامني دائم، في حين تظل الحكومات متأخرة عن نبض الشارع.
الضغط الشعبي يؤتي ثماره في أوروبا:
أكد البرغوثي أن الضغط الشعبي بدأ يؤتي ثماره في برلمانات أوروبا، حيث تتصاعد الأصوات المطالبة بمحاسبة إسرائيل ووقف تصدير السلاح إليها.
تضامن دولي متزايد:
يرى المحللون أن استجابة الجماهير العربية والدولية اليوم تختلف عن كل ما سبق، وأن العالم بدأ يفقد ثقته بإسرائيل، وأن الفرصة باتت مهيأة للانتقال من التضامن العاطفي إلى الفعل السياسي والميداني المؤثر.
تأثير الحراك الشعبي في أوروبا:
من جانبه، قال عضو مجلس العموم البريطاني جيريمي كوربن إن ما جرى للسفينة "مادلين" كان عملا إرهابيا مدانا، وأكد أنه شارك في مظاهرة حاشدة أمام مكتب رئيس الوزراء البريطاني دعما للطاقم المعتقل ومطالبا بإطلاق سراحه. وأوضح أن الحراك الشعبي في أوروبا يتسع يوما بعد يوم، وأن الاحتجاجات المستمرة بدأت تحدث تأثيرا فعليا، حيث أوقفت عدد من الحكومات الأوروبية صفقات سلاح مع إسرائيل.
مسؤولية الغرب عن تسليح إسرائيل:
أكد كوربن أن حكومات غربية عدة، وعلى رأسها بريطانيا والولايات المتحدة، تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية بوصفها شريكة في تسليح إسرائيل، وأن برلمانيين بريطانيين يعملون على فتح تحقيق في هذا التواطؤ.
دعوة مصرية لفتح معبر رفح:
دعا الرئيس التونسي السابق الدكتور المنصف المرزوقي السلطات المصرية إلى عدم عرقلة قافلة "الصمود" التونسية والوفود المغاربية والدولية المتوجهة إلى معبر رفح، معتبرا أن السماح بوصول القوافل أقل ما يمكن فعله.
الحكومات العربية أمام مسؤولية تاريخية:
أكد المرزوقي أن القضية باتت في يد السلطات المصرية، التي تقع عليها مسؤولية أخلاقية وسياسية بفتح الطريق أمام الشعوب للتعبير عن غضبها. وأضاف أن ما يجري في غزة يمثل "أفظع ما تعرضت له الأمة منذ غزو المغول"، مطالبا الشعوب العربية بالخروج عن صمتها، ومعتبرا أن بقاء الجماهير في بيوتها "جريمة في حق التاريخ والشرف والكرامة". وحذر من أن الحكومات العربية إذا واصلت تجاهلها لهذه المذبحة فستواجه انفجارا شعبيا لاحقا.
إسرائيل تدمر سرديتها الأخلاقية:
أشار المرزوقي إلى أن إسرائيل تدمر اليوم كل سرديتها الأخلاقية التي قامت عليها منذ عقود، وأن ممارساتها الوحشية كشفت زيف خطابها، وأنها تدمر نفسها معنويا قبل أن تُهزم ميدانيا.
التواطؤ العربي مستمر:
عاد الدكتور البرغوثي ليؤكد أن صمت بعض الدول العربية يُعد تواطؤا، خاصة أن الجرائم الإسرائيلية لم تقتصر على غزة، بل تشمل الضفة الغربية أيضا، حيث تتعرض مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس لحملات تدمير شاملة.
صرخة عربية وإسلامية مطلوبة:
وشدد البرغوثي على أن المطلوب الآن هو "صرخة عربية وإسلامية" تقول للولايات المتحدة كفى، داعيا إلى تحرك رسمي يوازي الهبة الشعبية العالمية، ومعتبرا أن التراخي الرسمي لا يقل خطرا عن الجرائم ذاتها.
قوافل تضامنية دائمة:
في السياق ذاته، شدد المرزوقي على أهمية دور الشعوب، داعيا إلى استمرار تنظيم قوافل تضامنية لا موسمية، بل دائمة ومستمرة، قائلا إن من يقف في وجه هذه القوافل "لن يربح سوى العزلة والاحتقار الشعبي".
فضيحة منظومة حقوق الإنسان:
أضاف المرزوقي أن إسرائيل في سياستها الحالية تدمر ليس فقط صورة نفسها، بل أيضا مصداقية النظام الدولي، وأن ما يحدث في غزة يمثل فضيحة كبرى لمنظومة حقوق الإنسان التي أنشأها الغرب ويدعي الدفاع عنها.
محاسبة إسرائيل قانونيا:
أما كوربن، فقد شدد على ضرورة محاسبة إسرائيل قانونيا، مشيرا إلى أن مذكرات التوقيف الدولية الصادرة مؤخرا تمثل خطوة أولى، ويجب البناء عليها لملاحقة المسؤولين الإسرائيليين عن الإبادة الجماعية.
خلاصة:
قوافل كسر الحصار على غزة تمثل نقطة تحول هامة في مسار القضية الفلسطينية، وتؤشر إلى تصاعد الوعي والتضامن الشعبيين على المستويين العربي والدولي. وبينما تظل الحكومات العربية متأخرة عن نبض الشارع، فإن الضغط الشعبي المتزايد بدأ يؤتي ثماره، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه ما يحدث في غزة.


اترك تعليقاً