شهد عام 2025 تحولات أمنية مفصلية في منطقة الساحل السوري، حيث واجهت الحكومة السورية الجديدة سلسلة من التحديات المعقدة التي استهدفت تقويض الاستقرار في محافظتي اللاذقية وطرطوس. هذه الأحداث لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل عكسَت صراعاً محتدماً بين مساعي التغيير ومحاولات "فلول" النظام السابق للعودة إلى المشهد عبر بوابة الفوضى والعمل المسلح.
استراتيجية "زعزعة الاستقرار": تحركات بقايا النظام السابق
منذ مطلع العام، رصدت التقارير الميدانية تصاعداً ملحوظاً في العمليات العسكرية والاشتباكات المسلحة التي نفذتها عناصر تابعة للنظام المخلوع. واتسمت هذه التحركات بالتنظيم العالي، حيث هدفت بشكل مباشر إلى:
- إرباك السلطة الجديدة: عبر استهداف المنشآت الحيوية والمراكز الأمنية.
- تقويض الثقة الشعبية: من خلال إشاعة جو من عدم الأمان في المناطق التي كانت تُعد تاريخياً معاقل حصينة للنظام السابق.
- عرقلة جهود التعافي: بتعطيل المسارات السياسية والاقتصادية التي بدأت الحكومة الجديدة في تنفيذها.
التسلسل الزمني للأحداث: من مارس إلى ذروة ديسمبر
لم تهدأ الجبهة الساحلية على مدار تسعة أشهر كاملة، حيث امتدت شرارة الاضطرابات من شهر مارس/آذار وصولاً إلى نهاية العام في ديسمبر/كانون الأول. ويمكن تقسيم هذه الفترة إلى مرحلتين أساسيتين:
- مرحلة التصعيد التدريجي (مارس – نوفمبر): شهدت هذه الشهور مناوشات متفرقة وعمليات خاطفة تركزت في الأرياف الجبلية والمدن الساحلية الكبرى، حيث حاولت المجموعات المسلحة اختبار قدرات الردع لدى القوات الحكومية الجديدة.
- مرحلة الانفجار الأمني (ديسمبر): مثّل شهر ديسمبر/كانون الأول الذروة الخطرة في هذا المسار، إذ شهد سلسلة من الهجمات المتلاحقة والمنظمة التي اتسمت بالعنف الشديد، مما دفع الأوضاع نحو حافة التأزم الأمني الشامل.
التسلل الخارجي: أجندات عابرة للحدود
كشفت التحقيقات والعمليات الاستخباراتية عن بُعد دولي وإقليمي لهذه الاضطرابات. فقد تبين وجود محاولات منظمة لتسلل عناصر من النظام السابق عبر الحدود مع الدول المجاورة. هذه العناصر لم تكن تتحرك بشكل عشوائي، بل كانت مجهزة بالدعم اللوجستي والخطط الميدانية لتنفيذ عمليات تخريبية داخل العمق السوري، مما يضع ملف ضبط الحدود على رأس أولويات الأمن القومي للحكومة الحالية.
الورقة الطائفية: تحدي السلم الأهلي والمصالحة
إلى جانب الصراع المسلح، برز تحدٍ لا يقل خطورة، وهو محاولة استغلال التوترات الطائفية وتوظيفها لأغراض سياسية ضيقة. لقد سعت الأطراف الموالية للنظام السابق إلى:
- بث الفرقة بين مكونات المجتمع السوري في الساحل.
- استخدام الخطاب الطائفي كأداة للتحشيد والتحريض ضد الحكومة الجديدة.
إن هذه المحاولات تضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في إدارة التنوع الطائفي، وتؤكد أن تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة ليس مجرد خيار سياسي، بل هو ضرورة قصوى لقطع الطريق أمام أي محاولات لتمزيق النسيج الاجتماعي السوري.
خاتمة: نحو رؤية أمنية وسياسية متكاملة
إن أحداث الساحل السوري في 2025 تدق ناقوس الخطر حول ضرورة تبني استراتيجية أمنية استباقية، تترافق مع حلول سياسية واجتماعية جذرية. فالحفاظ على أمن اللاذقية وطرطوس هو حجر الزاوية لاستقرار سوريا بأكملها، والرهان اليوم يكمن في قدرة الدولة على فرض سيادة القانون مع فتح آفاق حقيقية للحوار والمواطنة المتساوية.


اترك تعليقاً