خلف اللثام: قراءة في دلالات الظهور الأول للمتحدث الجديد باسم كتائب القسام “أبو عبيدة”

خلف اللثام: قراءة في دلالات الظهور الأول للمتحدث الجديد باسم كتائب القسام “أبو عبيدة”

لم يكن الظهور الأول للناطق العسكري الجديد لكتائب القسام، الجناح المسلح لحركة حماس، مجرد إجراء بروتوكولي لنعي سلفه، بل جاء كعملية اتصالية معقدة حملت في طياتها حزمة من الرسائل السياسية، العسكرية، والتنظيمية. هذا الظهور، الذي حافظ على "الهوية البصرية" المعهودة، سعى إلى تكريس صورة المقاومة كمنظومة مؤسسية تتجاوز غياب الأفراد مهما بلغت رمزيتهم.

استمرارية الرمز: "أبو عبيدة" كإطار مؤسسي لا كشخص

في خطوة لافتة، أعلنت كتائب القسام رسمياً عن استشهاد الناطق السابق حذيفة سمير عبد الله الكحلوت (أبو إبراهيم)، الذي ارتبط صوته وصورته بوجدان الملايين على مدار عقدين. ومع ذلك، اختارت الحركة أن يطل البديل بذات الكنية "أبو عبيدة" وبنفس الهيئة الملثمة، وهو ما قرأه المحللون كالتالي:

  • تجاوز سياسة الاغتيالات: الرسالة الأساسية كانت أن استهداف الرموز لا يوقف المسار، وأن المنظومة الإعلامية والعسكرية للمقاومة تمتلك من المرونة ما يكفل استمرارها.
  • مأسسة الدور الإعلامي: تحول "أبو عبيدة" من مجرد اسم حركي لشخص إلى "ماركة مسجلة" ومؤسسة إعلامية تعبر عن الموقف الرسمي للكتائب، مما يُفقد عمليات الاغتيال قيمتها الاستراتيجية في كسر الروح المعنوية.

دلالات السلاح وتوقيت الخطاب

حمل الخطاب إشارات بصرية وموضوعية دقيقة تتعلق بطبيعة المعركة الحالية:

1. رمزية "البندقية البسيطة"

شدد المتحدث الجديد على أن المقاومة تعتمد في مواجهتها على "بنادق فلسطينية بسيطة". هذه الإشارة لم تكن عفوية، بل استهدفت:

  • نزع الذرائع: الرد على الدعاية الإسرائيلية التي تحاول تضخيم القدرات العسكرية للمقاومة لتبرير حجم الدمار في قطاع غزة.
  • شرعية النضال: إعادة تعريف السلاح كأداة مشروعة للدفاع عن النفس وحق أصيل للشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال.

2. التوقيت السياسي الحساس

جاء الخطاب في توقيت يسبق تحركات ديبلوماسية أمريكية إسرائيلية مكثفة. وبصدور الخطاب عن الجناح العسكري تحديداً، أرادت حماس إيصال رسالة بأن:

  • الميدان هو صاحب الكلمة الفصل في أي ترتيبات مستقبلية لقطاع غزة.
  • لا يمكن تهميش المقاومة أو تجاوزها في أي معادلة سياسية قادمة.

رسائل موجهة لثلاث جبهات

توزع محتوى الخطاب بذكاء ليخاطب ثلاث فئات رئيسية:

  1. الداخل الفلسطيني: أكد الخطاب على وحدة المصير بين المقاتلين والحاضنة الشعبية في غزة، مشدداً على أن المقاومة تلتحم مع الشعب وتشاركه أعباء وتضحيات المواجهة.
  2. الجماهير العربية: حذر من تمدد الاعتداءات الإسرائيلية وخطورتها على المنطقة، داعياً إلى يقظة شعبية تجاه ما يحدث في القدس والأقصى.
  3. الاحتلال الإسرائيلي: سعى الخطاب لتبديد "نشوة الانتصارات" التي يروج لها الجيش الإسرائيلي عبر التأكيد على أن البنية التنظيمية والقيادية للقسام لا تزال متماسكة وقادرة على القيادة والسيطرة.

صدى الخطاب في الإعلام العبري

لم يمر الظهور مرور الكرام في الأوساط الإسرائيلية؛ حيث حظي بتغطية واسعة وترجمة فورية في الإعلام العبري. ويرى الباحثون أن هذا الاهتمام يعكس:

  • فشل الرواية الرسمية: إعادة تكريس حضور القسام إعلامياً يضعف ادعاءات القيادة الإسرائيلية حول تفكيك قدرات الحركة.
  • الضغط النفسي: استمرار ظهور "أبو عبيدة" بذات الهيئة يمثل فشلاً رمزياً للاستخبارات الإسرائيلية التي حاولت إنهاء هذه الظاهرة.

الخاتمة: "طوفان الأقصى" وإعادة تصحيح المسار

اختتم الناطق الجديد كلمته بتأكيد جوهري على أن أحداث السابع من أكتوبر لم تكن فعلاً عشوائياً، بل كانت "انفجاراً في وجه الظلم" ورد فعل حتمي على سنوات من الحصار والانتهاكات بحق المقدسات. وبهذا، أعادت القسام تقديم روايتها للأحداث، مؤكدة أن "الطوفان" أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي بعد محاولات طويلة لتغييبها وتهميشها.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *